والوجه الخامس: البرهان العقلي -وهو القرآن-: الذي تحدى به العرب مرة بعد أخرى، وتارة بعد أولى إلى أن يأتوا بسورة مثله، وفيهم الشعراء والخطباء والبلغاء، ولم يتركهم على ذلك بل توعدهم بأشد الوعيد، ووبخهم أغلظ التوبيخ، إن لم يأتوا بسورة مثله أن يدعوا شهداءهم من دون الله إن كانوا صادقين، قال تعالى: {فإن لم تفعلوا} شرطًا، {ولن تفعلوا} خبرًا حتمًا، {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} ، يعني: فإن لم تفعلوا ولن تقدروا عليه وأصررتم على ما أنتم عليه من التكذيب فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة.
وقال عز وجل: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ} الآية، وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا} .
وكيف يجوز أن يكونوا -مع ما أوتوا من البسطة في اللسان والقدرة على البيان والفصاحة والجزالة والحمية والأنفة- قد جاءهم واحد من جملة عددهم بدين يخالف دينهم فسفه عقولهم وضلل أحلامهم وسب آلهتهم وشتت جموعهم، وجاءهم بكلام منظوم يبين بذلك الكلام على صدقه وأنه دليله على نبوته، وأنهم لا يقدرون على أن يأتوا بسورة مثله!! فقرعهم بذلك في المواقف والرد عليهم مقالة في المواطن، وهم قادرون على أن يكذبوه في انتحاله، ويكفون أنفسهم أمره بمعارضته، مختارين بذلك بذل النفوس والأموال، والعزيز من الأهل والأولاد على ما هو أخف وأيسر من مقابلته بكلام يسير يلوح منه كذبه، ويظهر به افتعاله وإفكه، فدل ما قلنا: أن تركهم المعارضة إنما كان لظهور العجز والانقطاع، والكلام في إعجاز القرآن يطول.