تعطي ويرمي بأشعة روحه على صخرة لا يؤثر فيها ضوء الابتسام ولا ضغط إلا كف والشفاه، فهذا والله تضحية الأنفس البارة واستشهاد الأرواح الودودة، وأكثر ما يبتلى به أرق الجنسين وألطفهما - النساء.
لعلك لاحظت ما قلته آنمًا من أن معظم ما جرى ويجري بالعالم من حوادث الحب والصداقة إنما كان بين من لا يعرفون القراءة والكتابة - وهل هؤلاء إلا النوع الإنساني إلا أفرادًا قلائل هنا وهنالك. لا أقول إني أكره الكتب، كلا إني لأحبها ولي بها كشغف السمك بالماء. والطير بالهواء. وأحسبها نعم الأستاذ والرفيق. ولكني أعلم برغم ذلك أن أكابر رجال العالم لم يكونوا عادة من ذي البسطة والرسوخ في العلم. ولا كان ذووا الرسوخ في العلم عادة من أكابر رجال العالم. وكأني بزعماء الطائفة العبرانية كانوا لا يكادون يملكون بضعة أسفار وهم مع ذلك يمثلون لك أثم صورة من الرجولة. ولعلنا لو نستطيع نحن جماعة الأدباء أن ندعو إبراهيم لينازعنا الغداء أو العشاء يومًا ما عددنا ذلك مفخرًا عظيمًا وغنمًا كبيرًا.
وكل ما أردت أن أذكره عن الكتب هو أنه ما من إنسان ذي مفكرة قوية إلا ويرى نفسه أحيانًا فوق الكتب والأسفار الإنسانية.
عند ذلك انبرى الفقيه فقال معترضًا ما أري الرجل الذي يجسر على حسبان نفسه في أية ساعة فوق شكسبير إلا مغترًا.
قال الأستاذ أعلم سيدي أن الرجل الذي لا تعتريه قط حالة نفسانية يحس أثناءها أنه مفعم الصدر بوجدانات ومعان فوق طانة التعبير ودون منال اللسان ولو أنه ملك أعنة البلاغة وأخذ بناصية البيان - إنما هو لا يعدو أن يكون عباد ألفاظ، على أني لا أكاد أحسب أنه يوجد مثل هذا الإنسان وما عليك يا سيدي إلا أن تذكر قوة الموسيقى وسلطانه فإن الأعصاب التي تتأثر بالأنغام تتشعب من مجاري النخاع في أحدها إحساسًا، أعني حيث تنفرج لتسمو إلى خلايا الدماغ، فالموسيقى إذن يسري إلى موطن الإحساس من النفس لا إلى موطن التعقل. ولكنه (الموسيقي) يحدث برغم ذلك سلسلة عواطف وأفكار حسنة الانسجام مطردة السياق إلا أنها أفكار جد مخالفة للأفكار الاعتيادية المعهودة من حيث أنها تعجز اللسان المعبر وتعيي البيان المفسر. ثم ماذا تجد يا سيدي من البون البعيد إذا أنت