فهرس الكتاب

الصفحة 3421 من 3596

للكاتب الأمريكي الأشهر واشنجتون ارفنج

(وهو مجموعة مقالات وروايات أدبية وأخلاقية ممتعة)

حديث المؤلف عن نفسه

ما زلت مولعًا بمشاهدة المناظر الجديدة، وملاحظة الطباع والأخلاق الغريبة ولما كنت طفلًا صغيرًا بدأت سياحتي ورحلاتي الاستكشافية في أنحاء بلدتي ومسقط رأسي، إذ كنت أهيم على وجهي في أنحائها فأضل الطريق وأتيه في جهات منها مجهولة لي غير معروفة ولا مألوفة، وكان في عملي هذا ىأفجع المصاب والذعر لوالدي وأجزل الربح والفائدة لمنادي البلدة، ولم شببت وترعرعت أفسحت لنفسي مجال النظر والتأمل فجعلت أقضي العشيات والأصائل من أيام العطلة بالتجوال في ضواحي الريف المجاورة حتى درست جميع الأماكن المشهورة في عالمي التاريخ والخرافة، فلم تخف عليّ بقعة جرت فيها حادثة قتل أو سرقة أو ظهر بها عفريت وكذلك زرت جميع القرى المجاورة وضاعفت ذخيرة معلوماتي بملاحظة عاداتها وتقاليدها ومحادثة حكمائها وعظمائها. بل لقد طوحت بي يد السفر في بعض أيام الصيف الطوال إلى قمة أقصى تل حتى إذا تسنمت تلك الذروة أبعدت مرمى البصر أسرح الطرف في بقاع مجهولة وأناجي النفس حائرًا دهشًا (ما أعظم هذا العالم الذي أسكنه!) .

هذه النزعة الطوافية والشهوة التجوالية نمت معي وازدادت على كر السنين فأصبحت أشد ما أكون ولوعًا وشغفًا بكتب الرحلات وأسفار الاسفار ألتهم محتوياتها التهامًا وقد أهملت دروس المدرسة كل الاهمال. وكم كنت أدور وأطوف حول رصيف الميناء في أوقات الصحو والصفاء أرنو - ساجي الطرف شاخص البصر - إلى السفن الراحلة الميممة أقاصي البلدان. وكم كان لي إلتفاتة لهفى مولهة في أثر المراكب الذاهبة أصوب إلى شرعها المتضائلة المضمحلة الحاظ الواجد المشتاق وأقذف بنفسي على أجنحة الوهم والخيال إلى أقصى أطراف المعمورة!.

ولقد كان بعد ذلك في ادماني القراءة والتفكير ما كبح من جماح هذه الشهوة ووقفها عند حد معقول ولكنه جعلها مع ذلك أشد مضاء وتصميمًا فزرت عدة من نواحي بلادي. ولو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت