فهرس الكتاب

الصفحة 1855 من 3596

مختارات من آراء ليوباردى

لعل أندر الأمور في هذا العصر أن تجد رجلًا ظفر بمدح الناس، وشاع ثناؤه على أفواه الجماعة ولم يكن هو أول مادحيه، ولم يظهر الثناء أول مرة على شفتيه. ولقد اشتدت الأنانية بالناس. وطال التحاسد بينهم، حتى أنك إذا أردت أن تكسب لنفسك اسمًا جميلًا، فلا يكفيك أن تقوم فقط بالأعمال الكبار، والمكرمات الجسام، ولكن ينبغي لك كذلك أن تمتدحها أنت وتغالي في الثناء عليها، أو أن تجد لك مطيبًا أو بوقًا لا يسكت لحظة واحدة عن تفخيم أعمالك وتعظيمها والصراخ بها في أذان الجمهور، حتى يكرههم بالقحة والجرأة والمثابرة على ترديد جزء منها أو كلها، وأنت فلا يدور في خلدك أن إنسانًا سيمدحك إذا أنت لم تستحثه على المديح، أو تغريه بالثناء، فإذا تركت ذلك، ألفيت أكثر الناس ينظرون إليك صامتين واجمين، بل قد يحاولون أن يمنعوا غيرهم من رؤية فضلك. إذن فمن أراد أن ينوه بنفسه أو يسمو باسمه، فلينفض عنه الحياء، وليمسك عن التواضع. فإن العالم أشبه في ذلك بالمرأة، لا تستطيع أن تظفر منها بشيء. لو جنحت إلى الحياء، والصمت والانزواء.

إن أنجع دواء تستشفي به من اغتياب الناس إياك واتهامك والرتع في لحمك، هو الزمن، فإذا عابك الناس بمبادئك، أو تقول في سلوكك، واتهموك التهمة النكراء، فإن خير سبيل لك أن لا تأبه بهم، وأن لا تحفل بسبابهم، وأن تسترسل فيما أنت فيه مسترسل، وتأخذ فيما أنت فيه آخذ، ولذلك لا تلبث حتى تجد الموضوع قد أصبح تافهًا قديمًا، والمغتابين المتهمين قد كفوا عنك منطلقين إلى البحث عن فضيحة جديدة لغيرك، وأنت كل ما أظهرت الثبات والمثابرة والإصرار في متابعة سبيلك، غير آبه بالإشاعات. ولا مكترث بالأقاويل ولا تلبث أن ترى سلوكك الذي قد عابوه عليك وشؤونك التي عدوها نزقًا منك وطيشًا ونكرًا قد عادوا ينظرون إليها نظرًا آخر. ويعترفون بسدادها وحكمتها ووجوبها. وهكذا شأن الناس أن يعودوا آخر الأمر إلى آراء الذين يصرون على متابعة سبيلهم، وينحازون إلى مبادئ العنيدين منهم، ومن هنا ترى الضعفاء يعيشون كما يريد العالم، وأما الأقوياء فكما يريدون هم ويشاءون.

لا يخجل الناس من الأذى الذي يحدثونه أو يصيبون به غيرهم، وإنما أكبر خجلهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت