من أخلاق الناس
يأبى العالم كله إلا أن يكون مضحكًا، لأن الحياة نفسها هي أضحوكة الأضاحيك، والناس لا يستطيعون أن يكونوا كاملين، لأن الحياة تأبى إلا أن تكون شوهاء ناقصة، بل إن الرزالة والوقار والكمال لتبدو جميعًا أزاء سخافة الدنيا أبدع أنواع المجون، وأغرب ضروب الرياء، وأنت لا تستطيع أن تجد رجلًا واحدًا في هذا الأوقيانوس المزدحم، رزين الروح من كل نواحيه، خاليًا من الشائنة، بعيدًا عن المعابة، وقد تقع يومًا على رجل يبعثك منظره على احترامه، ويريدك خلقه على إجلاله، ولا ترى فيه إلا صورة رائعة من تلك الصور الخلقية بالنسخ والرسم تلك الصور الجميلة التي حاولت الأديان والشرائع والفلاسفة والخياليون والشعراء والمفكرون أن توجد لها مطبعة من مطابع البالوظة لكي يطبع الناس جميعًا أنفسهم عليها، فتظن أنت إذ ذاك أن هذا الرجل الجليل مادة واسعة للكلام عن الفضيلة وخطوة طيبة في سبيل قتل الحيوان الذي يطل دائمًا من أثواب الإنسان، ووسيلة ممكنة لتقليد الملائكة، وتظنه جميلًا من كل ناحية التمست رؤيته منها، ووقورًا رزينًا من كل عاطفة أردت الإشراف عليه من صوبها، ولكنك لو رأيت أشعة خلقية على نحو الأشعة الرنتجنية، واستطعت بها أن تبصر كل أجزاء روحه ودخيلة نفسه، إذن لما لبثت أن تهتدي إلى ركن مضحك غريب منه، ولألفيته بعدها مفارقة عجيبة لا يسعك إلا أن تقهقه ضاحكًا منها، ولأدهشك هذا الضعف الإنساني الذي شاءت الطبيعة أن يظل إلى الأبد أكبر فضيلة الإنسان وأكبر عيوبه، ولعلمت أن الرجل العظيم أشبه بتمثال ضخم من الحديد يقوم على ساقين من الطين أو الفخار.
وكذلك ترى أن العظيم لا يزال مضحكًا، والحقير مادة الضحك كلها، وإن الحياة ليست إلا نكتة من نكت الطبيعة ولكنها تعد نكتة قاسية تبكي أكثر مما تضحك، ثم يجيء الموت فيختم هذه الطقطوقة الهزلية، وتكون الطبيعة قد شبعت عند ذلك من الضحك من الإنسان والهزؤ به.
وأغرب شؤون الطبيعة أنها قد تجعل إنسانًا نهاية في الجد وآخر ما يمكن أن يتصور من الرجل الصالح الرزين العاقل التقي الورع، ولكنها تأبى إلا أن تضع له زرًا خفيًا في خلقه،