إن الطبيعة كثيرًا ما تعمل على مبدأ الحرمان والتعويض، وكثيرًا ما تهب النعمة، ثم تسترد من صاحب الهبة في سبيلها ثمنًا غاليًا، وتلزمه رهنًا باهظًا، وتأخذ من سمسرة فاحشة وأنت لا تجد امتيازًا حبته الطبيعة، إلا رأيت وراءه تضحية، ولا تشهد الطبيعة حارمة من ناحية، إلا ألفيتها معوضة مجزية من الأخرى، وهذه الفلسفة الإلهية لا تزال السر الأكبر في بقاء الكون، وهي ضرب من التوازن حتى تتكافأ القوات التي تحمل الأرض، ولولاها لتحطمت الكواكب، وهوت الأفلاك وتدمرت الخليقة، ولعل الطبيعة أرادت بذلك أن لا تثير نزعة التحاسد بين الكائنات، وشاءت أن لا تهتاج الغيرة في الخلائق، فجعلت من الكواكب القصير الرأس - لأنه كان لا بد في الكواكب من قصار الرؤوس - ولكنها أشفقت أن يحزن الكوكب لقصر رأسه. وينظر إلى ضخامة هام أخوته. فجعلت له ذنبًا مستطيلًا يجي وراءه في بهرة السموات، ويوم يتفاخر كوكب عليه بعظمة رأسه ويدل عليه سيار بشدة عدره، يوليه ظهره مزهوًا متكبرًا، باسطًا إليه ذنبه الجميل كأفخر ما تكون الطواويس بأذنابها.
وإذا كان هذا هو القانون العام الذي تجري عليه كل العوالم التي خرجت من يد الصانع الأكبر. فلا تعجب إذن من أن يكون في الناس الجهلة وهم أغنياء، والبله وهم ناعمو البال والعقلاء وهم المحزونون المتعبون، والمرأة الشوهاء الطلعة ووراء لسانها قلب ملائكي مشرق الصفحة، ثم الحسناء المعارف، الصبوح المحيا. مندوبة. . القمر في الأرض وخلف هذا الحسن نفس ملوثة خبيثة يأخذ عنها الشيطان أوامره، في مصطبخ كل يوم، ويعود إليها بدفتر اليومية عند مغيب كل شمس!!.
وعلى هذه القاعدة، لماذا يندهش الناس إذ يسمعون أن كثيرًا من النوابغ، وطائفة كبرى من العظماء. وجيلًا عديدًا من كتاب الدنيا وشعرائها وفلاسفتها وقوادها وأهل الذكاء المتوقد المفرط فيها، كانوا في حياتهم أحق بسكنى مستشفيات المجاذيب من كثير من البله والمجانين العاديين الذين دخلوها، ولماذا يأخذ المجتمع العجب، وتقع في قلوبهم الحيرة، إذ يرون رؤوسهم والصفوف الأول الصاعدة في طلائعهم، والأدمغة الجبارة الخصيبة التي تطل عليهم، أكثر ما يغلب عليها المرض، وتنتابها العلل، كأنهم لا يعلمون أن العظماء إنما يدفعون إلى الطبيعة ثمن أذهانهم الجميلة على طريقة التقسيط، وكثيرون منهم لا يزالون