فهرس الكتاب

الصفحة 1655 من 3596

أو

صفحة من فلسفة الحياة

ما كان الشاعر الذين يستعين بقوة خياله، ويستنزل وحي تصوره، لكي يلقي إليك بصورة مكبرة من عواطف الناس ووجداناتهم، ويطلع عليك بنماذج متخيلة مفتعلة من أخلاق العالم وغرائب طبائعهم، ليبلغ مبلغ الشاعر الذي لا تجد في ديوانه إلا ترجمة حياته، ولا تشتم من قصيده إلا رائحة حقيقته، ولا تقع على قطعة من شعره إلا كنت واقعًا على قطعة من روحه، ولا تقرأ جزاء من كتبه إلا كنت قارئًا جزءًا من تاريخه، وإنك لتتصفح قصائده فكأنما تتصفح أحداث حياتك، حتى لتشعر إذ ذاك أنك إنما تقرأ أفكارك وتشهد مشاعرك، وتحس ساعتذاك أن الشاعر إنما كان يكتب لك وحدك، أو كأنه كان يكتب عنك، وكأنما كنت تملي عليه خواطرك، وتعترف له بمكنونات عواطفك وأنت فلا تجد أمثال هذا الشاعر الصادق إلا قليلين، إذ كان أكثر شعراء الدنيا قومًا ثرثار مالقين كاذبين، يرسلون دواوينهم فلا يظهرون لك إلا أيديًا مرتعشة، وسوقًا مرتجفة، وعيونًا باكية، ووجوهًا كاسفة، وقلوبًا دامية، وأنت بين ذلك لا تجد لكل هذه العوارض الشعرية أثرًا في نفسك، ولا تحس لها لهيبًا في عواطفك، وما أعجب إلا من أولئك الذين يقولون باستجازة الكذب للشعراء، فإن هؤلاء لا يريدون أن يفهموا معنى الجمال، وعندهم أن المرأة المتبذلة في مساحيقها وأدهانها، وكواذب حليها وخوادع يواقيتها تقع من نفوسهم موقع الحسناء الخفرة في أبسط أثوابها وحقائق تقاطيعها، وهؤلاء لا يضيرهم أن يدخل عليهم الشاعر بأكاذيب الحياة كلها، ما دامت في ثوب جميل، وظهارة حلوة، وصيغة مقبولة.

ومن بين شعراء العالم الصادقين المخلصين يقف الشاعر لامارتين فقد وضع كل روحه في أشعاره، واعتصر قلبه فألقى بخلاصته في كتبه وديوانه، فلا تقرأ له من رواية، ولا تستمع له من شعر إلا وجدت قلبه يطفر في خلال سطوره وأجزائه، هذه رواية روفائيل وهذه رواية جرازييلا وهذا كتاب الاعترافات، وهذه قصائده جميعًا وأبياته، لا تحتوي غير وقائع حياته ووصف عواطفه وآلامه ومباهجه وأحزانه، فهي من هذه الناحية كتاب الحياة البشرية كلها، وخلاصة ترجمة عواطف الجنس البشري بأجمعه، إذ كان البحث في تاريخ إنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت