على ذكر
وطنية الشاعر الألماني هايتي
إذا صح أن الشعراء هم أحر خلق الله احساسًا وأرق بني الدنيا وجدانا وأكبرهم قلوبًا وأعذبهم نفوسًا، وصح أن الوطنية هي أحر مشاعر الإنسان وأكبر منازع الفؤاد وأعظم عاطفة في الدنيا، ورأس كل المشاعر الاجتماعية في العالم. فقد صح على هذا القياس أن الشعراء هم أنبياء الوطنية ورسلها، وقادتها وزعماؤها. ولعل هذا ما وقع بعينه في تاريخ الشعر الإنساني من يوم مشى جدهم الأكبر. ذلك الحسير المكفوف متأبطا قيثارته، يغني الياذته في طرق أثينا، مسترزقًا طالب القوت من شعره، وعجيب إن كان الشعر في فم ذلك الزعيم الأول مادة للشحاذة، وبضاعة للتسول، ثم يكون بعده والعالم عالم ثلاث عروش وبناء أمم ومسقط ممالك ومكسب انتصارات، ومفقر أجواد وسروات.
الوطنية بلا ريب حاسة متينة عميقة في الإنسان، والشعر عاطفة غريزية تتغلغل في طيات الجنان، والناس الذين يسخرون من الشعر ويقولون بأن الشعر لا لزوم له في العالم، وما دام الناس يستطيعون أن يمضوا سحابة يومهم ولا تثور فيهم نزعة إلى معرفة تسعيرة الشعر، ومادام الشعر لا أثر له في قوانين الانمان، وتعريفه المواد، ولوائح البلديات والمحافظات فما نفع الشعر وما جدوى الشعراء - هرلاء الناس الماديون الذين يريدون أن تكون الحياة كلها بالماكينات والكهرباء، إنما يستخفون بالحياة تفسها ويريدون لها الفساد والهدم، فلو أننا استطعنا أن نقتل الشعر ونمحوه من صفحة الدنيا ونضع العقوبات الصارمة للذين يحاولون طبع القديم منه، أو نشر جديد عليه إذن لقتلنا شيئًا كثيرًا من القوة المحركة للحياة ولهدمها عناصر الفضيلة - واعتدينا على الوطنية فسلبناها أعز مصدر نستمد منه قوتها وعصارتها النامية.
إذا صح هذا وجب أن يكون الشعراء جميعًا وطنيين، يجب أن تكون الوطنية فيهم مشتعلة، مستعرة محتدمة، وينبغي أن يكون نصف الديوان شعر الدنيا وطنيًا، والنصف الآخر في تلك الشؤون هي التي مهوى نفوس الشعراء، ولكن وا أسفاه لا يزال الشعراء في مقدمة الوطنية فيهم مختلفين، وذلك على مقدار اختلاف أمزجتهم وسرعة تقلب أهوائهم، وحضور