خيالهم، على أنك وإن رأيت الشاعر الجزل الفحل منهم لم يضع في كل أجزاء ديوانه قصيدة واحدة عن وطنيته ولم يحشد في شعره من تلك الروح الحماسية المشتعلة التي تضرم الأفئدة، لا تزال ترى لديه أثرًا زاهيًا منها في إعلائه من شأن اللغة، ولغة الشعر هي أسمى أساليب اللغة، والعمل على تمجيد اللغة ورفع مستواها، والنهوض بها، وخلق أدب جديد لها، كل أولئك وطنية بينة ظاهرة وإن لم تحو بيتًا واحدًا فيها.
واكبر مظاهر الشاعر الصحيح الذي يتلقى الوحي من العاطفة، ولا يعمد إلى لأفاعيل والأعاريض يصب فيها كلامًا مرصوصًا تحس أن كل كلمة منها عند قراءتك إياها تكاد تثور وتخرج من الطابور الذي صفت فيه مع غير أخواتها بلا مناسبة ولا موافقة ولا لزوم - إن أكبر مظاهر ذلك الشاعر الحقيقي الاعتزاز بوطنه والافتخار بأرضه الزهو بأهله وممتلكاته، وكم من شعراء خرجوا من ديارهم من جراء عسف أو ظلم حاق بهم، أو طلبًا للرزق في غير أراضيهم إذ ضاق عليهم وعز مطلبه في وسط أهلهم فلم يكن ذلك ليكرههم في البلاد، أو يثير الحقد في نفوسهم على وطنهم بل ظلوا يحبون وطنهم وإن لم يحسن إليهم حتى حتى رحلوا إلى مضاجع الآخرة.
ساقني إلى هذا حديث الشاعر هايتي - الشاعر هنريخ هايني المتهكم السخار بالدنيا وما فيها - ذلك الشاعر الخفيف البديع الذي ظل حياته نهب أمراض أليمة وأحزان جمة حتى لقد قال يومًا عن نفسه، إذا قدر لي أن الفالج - تلك اليد الحدبدبة القابضة على صدري، سيخف يومًا، ويقل أثره، فلا ألبث أن أجد نشاطي القديم متحركًا مهتاجًا عائدًا إلى بحرارته وقوته الذاهبة. نعم. أنا مريض إلى حد الموت ولكن روحي لم يصبها أذى قاتل فإنها لاتزا ل كالزهرة العطشى المطرقة برأسها الناحلة ولكنها لم تذبل بعد ولم تسقط عن أغصانها ولا تزال جذورها متينة في أرض الحق والحب، على أنه لم يكد يمضي شهر على ذلك حتى كتب الوصية الأولى من وصاياه الثلاث. وفيها ختم الوصية بوداع حار لأرضه وبلده الذي اختاره مقامًا له ومنزلًا فقال: وداعًا ألمانيا أراضي قومي ومهبط آبائي بلد الأسرار الغامضة والأحزان، بلد الغرائب والأشجان، لتهنأ أيها البلد ولتسعد، وداعًا أيها الشعب الفرنسي الكريم الذي طالما أحببت وإليه أخلصت، شكرًا لكرمكم وضيافتكم وحسن مثواي بينكم.
إن هذا الشاعر الذي يحب الإنسانية كلها ويرسل شعره في مهب الرياح كلها والذي مال