وآلام الظمأ
الظمأ إحساس عام يتناول أجهزة البدن كلها، وإن كنا لا نفتأ نعده إحساسًا في جزء واحد من الجثمان فقط، أي إحساسًا نشأ من جفاف الفم والحلق والحنجرة، ولكن هذا الجفاف الذي نحسه جميعًا ونعرفه ليس إلا أثرًا من نقصان السائل في الجسم، على أن الظمأ قد يحدث دون أن ينقص البدن شيء مما يستلزمه من هذا السائل، وإنما هو اضطراب جزئي يحدث إحساسًا جزئيًا فإن جميع ألوان الشراب والقهوة والتوابل تحدث رغبة شديدة في الماء، وتثير ظمأ حارًا ملهبًا، وإن كانت الخمر والقهوة تزيدان السائل الذي في البدن دون أن تنقصه، وكثيرًا ما كان السائل على كثرة مقاديره لا يستطيع أن يطفئ جذوة الظمأ في أحوال كثيرة، ولاسيما الظمأ المتطاول الشديد.
فقد وصف الرحالة أندرسون في عرض تواليفه عن رحلاته في صميم إفريقيا ومجاهلها الآلام التي كان يعانيها أتباعه وحيواناتهم فقال بعد كلام طويل حتى إذا امتهد للقوم السبيل إلى الماء وشربوا حتى استجموا فكأنما فقد الماء مزيته الأصلية لديهم، لأن جميع الوسائل التي اتخذناها لتخفيف شرة الظمأ لم تجد فتيلًا وذلك الظمأ الطويل والصبر مدة كبيرة على آلامه أحدثا ضربًا من الحمى لم تذهب آثارها بمجرد استجمام البدن من حاجته إلى السائل، ومن هذا تعلم أنه وإن كان السبب الأولي للظمأ هو نقصان السائل في البدن لا يزال له ثمة سبب خفي وذلك ألم جزئي موضعي استثار الظمأ.
على أن هذا الإحساس الموضعي لا يزال متوقفًا على أجهزة البدن فلو أنك أنفذت الماء إلى الأمعاء أو العروق انطفأت حدة الظمأ وإن لم يمس الفم أو الحلق، والجو الرطب البارد يمنع الظمأ والاستحمام يطفئ من جذوته ولهبه لأن الجلد يمتص الماء.
وكما أن الجوع ينشأ من نقصان مقدار الطعام اللازم للأجهزة ينشأ الظمأ من نقصان مقادير الماء، لأن الماء الذي نشربه إنما يذهب كل لحظة في التنفس، لأننا كلما تنفسنا أضرمنا مقدارًا من الماء في شكل بخار، ويتجلى ذلك في الشتاء عندما يتجمد البخار المتصاعد مع أنفاسنا، ولكن العرق أيضًا سبب لنقصان الماء في البدن، والماء هو العنصر الأكبر في البدن، لأنه يحتوي سبعين في المائة من وزن الجسم كله، وليس في جميع الأجهزة، ولا في