الكونت فون زبلن
هذا اسم مشهور معروف، له شهرة الشمس والقمر، فهو أمير الهواء، وفاتح أقطار السماء، رأى الأرض توشك أن تضيق دون جنود الإنسانية، وإن صعيدها لا يكفي ميدانًا للحيوانية الإنسانية، وإن سوحها لا تتسع لهذا التنازع الرهيب على البقاء ففتح لها الجو وذلل لها الريح تجري مسخرة رخاء.
ومن ترى يدري ماذا كنا آخذين عن هذا الذهن العظيم غير الطيارات لو لم يصنعها، ومن ذا يعلم ماذا كنا واجدين منه لو كان وجه هذا العقل الكبير إلى حسنات العلم وثماره الصالحة؟.
لقد كان في حياة زبلن أكبر الأمثال على قوة الدأب، ومتانة الصبر، وشدة المراس، وهول الثبات، وعظمة المثابرة، وهو اليوم شيخ قديم العهد بالحياة، دخل منذ أوائل الحرب في حدود السابعة والسبعين، فقد داءه المجد متأخرًا متثاقلًا متباطئًا كأنما كان على كره منه، ولم يعط نصيبه منه إلا منذ ستة أعوام لا غير، إذ أقبلت عليه الشهرة وهو في السبعين ووضعت يدها في يده قائلة له لقد أحسنت!.
وليس في تراجم المخترعين من الوقائع الغريبة والصعوبات العظيمة والآمال المخفقة والحيل الضائعة والحوائل المنيعة ما في حياة هذا البطل، ولم يظهر رجل على متن المصاعب ولم يتسلق القحم إلى العظمة، بأشد ثباتًا ومراسًا من هذا الرجل، فإن الضربات الصاعقة القائلة التي هوت فوق رأسه من يد القدر لم تستطع أن تقتله، بل كانت كل ضربة لا تقتله تخدمه، فلا بدع إذا أصبح اليوم معبودًا لي بني قومه مقدسًا.
ولد في سويسرا، على ضفاف كونستانس، تلك البحيرة الجميلة الزاهية، وكان أبوه من ضباط البلاط في برلين، وقد صرف زبلن شبابه جنديًا باسلًا مغوارًا تطوع أول مرة في حرب الثورة الأمريكية فأبلى أعظم البلاء.
وكانت خدمته في الجيش الأمريكي هي التي قدمت إليه الفرصة الأولى لولعه بفن الطيران، إذ كان في الجيش بالون أسير للاستكشاف فكأنما أراد القدر أن لا يولد مستقبل ألمانيا الهوائي إلا في العالم الجديد!.