السريع البذل الأريحي في انتخاب الهدايا والتحف لمن يرى من النساء الناعمات الأيدي الجميلة المعاصم، ثم هو لا يشترك في حفلات توزيع مشابك الصدر والقلائد والعقود على سيدات القصر وغانياته وإنما يخف إلى توزيع الخواتيم والأساور ويخلعها عليهن بيده.
وقد وصفت سيدة من ذوات الألقاب في القصر واقعة حال في هذا الشأن بينها وبين الإمبراطور قالت: (أمرني يومًا جلالة الإمبراطور أن أحضر إلى قصر برلين وكان أهل البلاط جميعًا متغيبين في قصر بوتسدام وأن أجيء منتقبة حتى لا يعرفني أحد.
فلما دخلت حجرته الخصوصية إذا به في بهرتها ولم يكن وجهه شاحبًا كعادته فقال لي: (اخلعي عنك خمارك وسترتك) وكانت تبدو عليه علائم القلق، وكنت يومذاك في قميص رفيع ذي كمين حتى المرفق يزينهما حاشية طويلة من الدنتلا.
قال الإمبراطور وأنا أخلع القفاز يا الله، إنه لشيء جميل! ثم عمد إلى سجف هناك فانتخب من بين عدة من صناديق المجوهرات صندوقًا كبير الحجم فأخرج منه سوارًا على شكل الأفعى فمده إلى آخر نطاقه وقلده ذراعي فامتد فوق المرفق، وعند ذلك شكرت للإمبراطور هديته فجعل يقبل ساعدي مرة بعد مرة بين حلقات السوار وتعرجاته ثم ختمت السيدة اعترافها في ابتسامة ساذجة طاهرة (والذي أدهشني أن جلالته كان يلعب بأصابعي ويعبث طول الوقت!) .
لله سذاجة تلك الغانية: لقد ظننت ولا تزال إلى اليوم تظن أنها أول سيدة ظفرت بلعب هذه الكوميديا الجميلة، وما درت أن هناك في برلين وبوتسدام وكييل وبرسلو وكونجسبرج عشرات أمثالها من النساء والعذارى والفتيات لا يزلن يحتفظن بطرائف مثل طرفتها نلته من كف الإمبراطور، ولكنهن لسن جميعًا ثرثارات مثلها ولا ينسى الإمبراطور أبدًا يد قبلها يومًا وإن بعد بها العهد، وهذه الذاكرة القوية مما يحدث في نفس الإمبراطورة زوابع من الغيرة المرة المؤلمة، وقد يكونان معًا في المركبة إلى نزهة جميلة وإذا بالإمبراطور قد قطع على زوجته الحديث يقول انظري يا (دونا) إلى يد هذه المرأة، أليست هي السيدة التي رأيناها في مكان. . . إنها لمليئة بريشة المصور!.
وللقارئ أن يتصور لنفسه مقدار غيرة الإمبراطور ومبلغ غيظها وحنقها.
(اقرأ في العدد القادم قطعًا أخرى مختارة من هذه المذكرات)