في الإسلام
يقول الدكتور جوستاف لوبون: إن الشرائع الاجتماعية والسياسية تختلف باختلاف الممالك والشعوب، وما يصلح منها ويستقيم في الأمة الواحدة قد لا يصلح ولا يستقيم في الأمة الأخرى، وما يقع موقع القبول منها في شعب قد ينزل منزلًا سيئًا مكروهًا في شعب آخر، وهذه الحقيقة تحتاج ولا ريب إلى عدة من الأمثلة والشروح لأنها لا تدخل سريعًا على العقل، ولا تنساب إلى الفهم، فقد يعترضها ما يبدو لأول وهلة حقيقة جلية مقررة، وهو أن الشرائع التي تنسب إليها عظمة أمة من الأمم خليقة ولا شك بأن تصير للإنسانية جمعاء مثالًا حسنًا ونموذجًا طيبًا مقررًا، ومن ثم فليس أحكم ولا أسد ولا أرشد من اختيارها لأمة أخرى، حتى وأن استوجب نشرها القوة والإكراه. . . وهذا هو الرأي الذي ظل زمانًا طويلًا يجري في أذهان السياسيين والمؤرخين، ولا يزال يأخذ به حتى اليوم سوادهم.
ولكنا قد بدأنا نتبين ما وراء هذا الرأي وأشباهه من الأخطار والأضرار، ونحن لو تعمقنا قليلًا في دراسة حياة الأمم والشعوب، لوجدنا أن شرائعهم ليست إلا خلاصة عواطفهم وحاجياتهم الزمنية الموروثة التي خلقها ماض طويل بعيد وأن ليس من الهين أن نهذبها أو ندخل عليها من الإصلاح ما نشاء ونريد. . . وقد يقول لنا المؤرخون أن بعض المتشرعين أمثال موسي وليكروجوس وصولون ونوما وغيرهم قد سنوا لشعوبهم شرائع لم تخرج كل قطعة منها إلا أدمغتهم، ولم تكن إلا وليدة ابتكارهم ونتاج أذهانهم ولكنهم لو تبصروا لعلموا أن هذه الشرائع لم تكن في الحقيقة في شيء من ذلك، وأن ليس في الأرض كلها متشرع واحد يملك في يديه مثل هذه القوة العظيمة وأن أشد الفاتحين صولة وحولًا، وأن أعظم الانقلابات هدمًا ونسخًا لم تستطع أن تعمل بهذه القوة إلا زمنًا غير طويل، ونحن قد نستطيع ولا ريب أن نكره أمة على أن تأخذ زمنًا ما بطائفة من الشرائع المختلفة جد الاختلاف عن شرائعها التي تعيش عليها كما نستطيع أن نريد حيوانًا على أن يتخذ شكلًا من الحياة يخالف طبيعته وغريزته، ولكن سرعان ما يعود الماضي إلى نصابه، إذا رفعنا يومًا هذا الضغط، وأن الشرائع القديمة في الأمة لم تتجدد ولم تتحول ولم تتبدل وإنما جعلت تعود إلى الظهور وفي كل حين تحت أسماء جديدة، ولم يحدث ثمت أدنى تغير إلا في