فهرس الكتاب

الصفحة 1885 من 3596

وسر خيبة المصابين به في الحياة

مجنون الأنانية شديد المبالغة في قدر قيمة نفسه ومبلغ أهمية أعماله مهما صغرت وذلك لأنه لا يشغله شيء غير نفسه والعالم أجمع ليس له في قلبه إلا أضيق مجال بل ربما لم يكن له ثمت مجال قط. فلا غر وأن يظل وهو لا يدرك ما هنالك من الصلات والعلائق بينه وبين سائر الناس والوجود ولا يحسن فهم الوظيفة التي يجب أن يؤديها في مجموعة النظامات الاجتماعية. وقد يخشى أن يخلط القارئ بين جنون الأنانية وجنون العظمة ولكن بين الاثنين فرقًا مميزًا، أجل لا خلاف في أن جنون العظمة ناشئ عن اختلال في الأجهزة الحيوية مؤد إلى دوام اشتغال الإنسان بنفسه فترى أن ما يصاب به صاحب هذا الداء من التهيج الكيماوي البيولوجي في الأجهزة الحيوية هو الذي يحدث تلك التخيلات الفاحشة التي تجعل المرء يتصور أنه ملك أو أمير أو قائد أو نبي أو بطريق.

فجنون العظمة مشابه لجنون الأنانية من حيث أن المصاب يكون في كلتا الحالتين مشغولًا بذاته. ولكن الجنونين مختلفان في النقطة الآتية وهي أنه لما كان جنون العظمة يستثير في ذهن المريض تلك الصور اللذيذة التي توهمه أن له في المجتمع مركزًا عظيمًا ومنزلة جليلة فذلك يستلزم أن المريض مع شتغاله بنفسه لا بد أن يشتغل كذلك بالمجتمع الذي (حسب تخلياته) قد أصبح أميره أو وزيره أو قائده أو نبيه. أما جنون الأنانية فعلى العكس من ذلك يعزل المصاب عن الجماعة ويحجبه داخل ذاته احتجاب القنفذ في شوكه والسلحفاة في قشرها. ففي جنون العظمة ترى المصاب يحسب حساب المجتمع ويعرف مقداره ويعترف بأهميته مخطورته ويعلق أهمية عظيمة على خضوع ذلك المجتمع له (أي لذلك المريض) واحترامهم له وإجلالهم إياه. أما في جنون الأنانية فلا يرى المصاب ضرورة إحرازه مركزًا اجتماعيًا عظيمًا (موهومًا بالطبع) ولا يريد إجلال الناس له وإكبارهم إياه ليبرروا له شدة عنايته بنفسه وتفانيه في حب ذاته بل هو لا يرى المجتمع البتة. والناس في نظره غير موجودين. والكون بحذافيره لا يتراآى له إلا كشبح مبهم أو ضبابة رقيقة. كلا بل لا يخطر بباله أنه فرد من الجماعة أو أنه مخلوق أسمى درجة من سائر المخلوقات وإنه لهذا السبب محمود أو محسود. والذي يراه هو أنه منفرد في الدنيا بل هو نفسه الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت