وكل ما عداه من الناس والحيوانات والأشياء إنما هي وسائط وأسباب (موصلة إليه) عديمة الأهمية لا تستحق الذكر.
وكلما كانت الأجهزة الحيوية - الأعصاب الموصلة والمراكز العصبية لأعضاء التغذية والحس والإرادة - كلما كانت هذه الأجهزة أقل اعتدالًا كان جنون الأنانية أقل شدة وكان الضرر الناشئ عنه أقل مقدارًا. فأدنى مظاهر هذا الجنون وأخفها أذى هو ما يشاهد أحيانًا في المصاب به من شدة الإفتخار بحرفته أو صناعته. فإذا كان مصورًا لم يشك في أن عماد الدنيا ومقدار نظام الكون هو الصور ولاسيما صوره هو. وإذا كان كاتبًا أو شاعرًا اعتقد أن الدنيا لا تعني إلا بالشعر والكتابة. ولا يعترض معترض بأن هذا العيب ليس خصيصًا بجنون الأنانية بل هو عيب شامل لا يكاد يسلم منه إنسان إذ الحقيقة أن هنالك فرقًا عظيمًا بين الإنسان العادي وبين مجنون الأنانية في هذه النقطة. فالإنسان العادي مع عرفانه بأهمية عمله يعرف أيضًا منزلة هذا العمل بالنسبة لغيره مما هو أعلى درجة وأعظم خطورة. ولكن مجنون الأنانية لا يخطر بباله قط أن أي عمل يقوم به يمكن أن يكون قليل الأهمية في نظر الناس. فالإسكاف الصحيح العقل الذي يقضي عمره في ترقيع النعال القديمة بينًا تراه يبذل منتهى جهده الجسماني والعقلي في مزاولة عمله تراه مع ذلك يقر ويعترف بأن هنالك أعمالًا أعظم قيمة بكثير وأجل فائدة ولذة للمجتمع من ترقيع نعل قديم. ولكن مجنون الأنانية على عكس ذلك، يعتقد - إذا كان كاتبًا مثلًا - أن الدنيا لم تخلق إلا لتتعان على إخراج كتاب بديع.
فإذا اشتد اعتلال الأجهزة اشتد الجنون الأناني حتى لا يقتصر في الكتاب على مجرد التناهي في تفضيل صناعته على سائر أعمال الحياة بل يتجاوز هذا الطور البريء إلى طور الإجرام الأدبي الذي ربما بلغ درجة الجنون الأدبي. ففي هذا الطور تتولد في المصاب الرغبة في ارتكاب الأعمال الضارة به وبغيره. وقد يعترض معترض بأن هذا يحدث أيضًا للصحيح العقل ولكن الصحيح العقل عنده من قوة الإرادة ما يدفع به الميل إلى الإجرام. أما المجنون الأناني فإنه أضعف إرادة من أن يرد نزعاته وشهواته فهو لا يستطيع أن يضبط أفكاره وأعماله بواجب مراعاة مصلحة المجتمع وذلك لأن المجتمع معدوم الوجود في نظره. فهو منعزل عديم الإدراك للنواميس الأدبية المسنونة للحياة في