بحث فلسفي سيكولوجي أخلاقي بديع
للكاتب الفيلسوف العظيم البروفسور جيمس
مما يؤثر عن القائد العظيم الدوق أوف ولنجتون أنه صاح يومًا وقد جاء ذكر العادة وقوة سلطانها فقال (أوكل ما يقوله الناس عن العادة أنها طبع ثان؟ كلا لعمرك إنها الطبع مضاعفًا إلى عشرة أمثاله!) وإن أولى الناس بأن يتخذ قوله حجة في مثل هذا الموضوع من كان أخبر الناس به وأشدهم مزاولة له ومعالجة أعني الجندي الذي حصر مجرى حياته وحياة جنوده داخل قيود حرجة من العادات وحواجز شديدة من أقسى القواعد والنظامات فاتضح له من ذلك أن تأثير العادة لا يزال بالإنسان حتى يبدل شخصيته تبديلًا ويخلقه خلقًا جديدًا فيما يتعلق بمعظم طبيعته وأخلاقه.
وقد ذكر البروفسور هسكل على سبيل الفكاهة وإن كان ذلك من الجائز المحتمل (إن ماجنا بصر بجندي مستودع ذاهبًا بطعامه إلى مأواه فصاح به بغتةحازدور! فأرخى الرجل ذراعيه توًا وسقطت منه الشريحة والثريدة في بالوعة الطريق. وعلة ذلك أن عادة التمرينات العسكرية قد كانت تسلطت عليه إلى درجة أصبحت معها قد اندمجت في جهازه العصبي وصارت قطعة من كيانه) .
وكثيرًا ما شوهد في ميادين القتال أن الجياد وحدها عارية من فرسانها كانت تجتمع على نداء البوق وتجول جولاتها المعتادة من تلقاء ذاتها بلا مدبر ولا مصرف، وهذه الحيوانات المنزلية تراها كأنها آلات ومكنات مضبوطة الأجهزة مطردة السير والنظام تقوم من لحظة إلى أخرى بأداء ما قد علمتها من الأعمال والحركات ولا يبدو عليها البتة أنه من المحتمل أن تشذ يومًا عن هذا المنهج أو تنحرف عن هذه الخطة. ومما يؤثر عن أهل السجون أن كثيرًا منهم ممن يغادرون السجن بعد قضاء أعوام عدة ربما تمنوا العودة إليه بعد الخلاص فطرقوا بابه ثانيًا وبهم من الحنين إليه ما بالآيب إلى وطنه بعد طول الهجرة والفراق. ويحكى أن نمرًا انكسر قفصه أثناء حادثة من حوادث القطارات فأفلت من القفص ولكنه ما لبث أن أصابته حيرة ودهشة من هذا الوسط الجديد الذي أفضى إليه بعد طول المقام في قفصه واعتياده العيشة بين قضبانه ثم بلغ من شدة ارتباكه وحيرته ان انقلب عائدًا من تلقاء