دباغ جديد
أنا رجل أحب ما يكون إلي الطعام، وأشد الناس احتفالًا به، ولي في الولائم غارات، وفي الأفراح - بل وفي المآتم أن أردتم الحق، عند ما يطاف على المعزين بالصحاف المفعمة بسد الحنك، بعد السبحة - جولات وغزوات، ولا أظن أن عمتي ذاقت اللحم منذ سنين، وما كان ذلك منها زهادة فيه، ولا كان لأننا لا نشتريه، وإنما هي تأتي إلا أن تدافع القطع المتجاورة وغير المتجاورة في الإطباق إلى ناحيتي، وتفتح سككًا في الصفحة وطرقًا لكي ترسل إلي ما يدنو إليها من قطعة فخمة، أو ريشة طيبة، وتجتزئ هي بالسلطة، أو غيرها من الألوان التي تحبها، وأحاول دائمًا أن يصنعوها بجانب ما أشتهيه من الطعام وأبتغيه من الأصناف لكي تكثر الأيدي على ما أكره، وتغيب يدي فيما أحب. ويبقى بذلك مبدأ التوازن قائمًا بيننا، وفكرة العدل منفذة، ولكنه ولا ريب ضرب من العدل المعوي، وهو في ذلك يخالف العدل السماوي أو العدل الأرضي. لأنه صادر من فلسفة الأمعاء، وهي فلسفة خاصة مبتكرة تؤول إليها كل فلسفات العالم، بل هي نهضمها جميعًا وتأكل الأذهان التي أحدثتها. وهذه الأسلاك الدقيقة المتشعبة المتثنية هي أشد سرعة في تبليغ الإنسان أوامرها من أسلاك التلغراف وخطوط التلفون. .
ولعل أيثار عمتي إياي على نفسها في مجالس الطعام، بعد الفضيلة الكبرى التي أعلمها عنها، لأنها فضيلة لها طعمًا، ثم هي بعد حسنة منها تتحول دائمًا إلى الدم. وهذا الدم العبيط وأسأل القراء المغفرة لعباطة دمي - يتصاعد إلى رأسي فيزيد في قوة خيالي وتفكيري، وبذلك تكون كل قطعة من اللحم تقذفها عمتي إلي، إذ نحن صافون حول المائدة، هي بمثابة فكرة ألهمتني إياها فالتهمتها. وعلى ذلك يصح للقراء أن يقولوا أن عمتي متعهدة مقالات للصحف والمجلات، وإنها شريكة لي في حتى الإعجاب الذي قد أصادفه من بعض القراء.
ولكن وا أسفاه. لي في البيت عواذل، ولي في الأسرة منافسون، ونحن إذا جلسنا إلى المائدة، فكأنما نجلس أمام خريطة حربية في مؤتمر من مؤتمرات الصلح، إذ يتفاوض الأعضاء في تقسيم الأراضي، ويتحاورون في التوزيع، ولذلك إن لي قريبًا رزقه الله مصيبة الولوع في الطعام، وهي بالطبع تعد في نظري مصيبة من ناحيته، ولكنها نعمة