الجنرال فوش
قائد جيوش الحلفاء
لا تزال كل أمة مسهمة في هذه الحرب تضحك ساخرة مستخفة من قواد عدوتها ورجالات الحرب فيها، والشعوب المحاربة لا تفتأ منذ قامت هذه الحرب تتقاتل في حلبات الصحف قتالًا أعنف وأشد عداء من قتالها في حومة الوغى، وقد تعايبت أمم الحرب الحاضرة، وتنادرت كل أمة على قواد بالأحرى، وراحت تصور كل قائد صورًا ماجنة، وتخرجه في أمتها في مظهر مضحك، وتستخف بقوته وكفاءته، ولكن الرجل الذي سلم من ألعاب في أرض عدوه، وخلا من الذام في المملكة التي نصب لقتاها، ولا تزال صحف الألمان تقول عنه قولًا كريمًا، وتقدره حق قدره حتى قالت عنه كبريات صحفهم: ذلكم رجل خليق بأن يجالد بسيفه أطول سيوفنا نجادًا، وأحد ظباة قوادنا غربًا، هو الجنرال فوش قائد جيوش الحلفاء اليوم في سوح الغرب.
هذا هو الرجل في صورته التي صورها أعداؤه، وأكبر مميزات هذا القائد هدوءه الذي لا يعكره شيء وسكونه الذي لا يمازجه اضطراب، وقد خلا خلقه من تلك البساطة التي كانت دأب جوفر وشيمة من شيمه، وتلك الطبيعة اللينة العريكة التي كانت لسلفه، ولكنه رجل صامت حفيظ على كلمه وإشاراته وأفعاله، وإنه ليجمد على رأيه، في برود العظماء وسكون جأشهم وهو قليل الكلام كثير الفعل.
وقد صوره أحد الضباط الذين يعملون تحت إمرته فقال: إنه لرجل ما أن يزال يبدو فتيًا في عنفوان الشباب وحدة الفتيان، وهو خفيف اللحم، رطيب الغصن، بسيط المظهر، ذو رأس فخم أشم متطاول.
وأشد ما يدهش الرائي منه نظراته الجلية النافذة الذكية العميقة اللامعة، فإن عينيه الغريبتين تضيئان جميع معارف الوجه، ولولا عيناه لبدا الرجل مغضبًا مقطبًا وهو يتجلى في ذلك الشارب الغزير الذي يمتد على صدغيه فإذا راح يتحدث، رأيت ضوءًا في محياه، وبريقًا غريبًا يضيء وجهه، على أن وجهه الساكن لا يزال ينم عن حزن عميق لأنه افتدي في سبيل فرنسا ابنه وزوج ابنته، ولا يدري أحد سر هذا الرجل إذ لا يمضي يوم واحد حتى