يرى الضباط هذا القائد العظيم قد انطلق إلى الكنيسة فقضي فيها تضع لحظات في عبادة صامتة وتفكير وقد تكون الكنيسة طللا مهيلًا من أثر قنابل العدو، أو دمنًا عافية، فلا يحول ذلك بينه وبين هذه العبادة التي اعتادها، وإنه ليمضي وحده ولا يخبر أحدًا من ضباطه بذهابه، ولا تحسب ذلك منه مظهرًا من مظاهر الورع والتدين، وإنما هي حاجة إلى الاختلاء كل يوم بضع دقائق بنفسه والانتباذ ناحية بعيدة عن متاعب حياته وضوضاء عمله، وليس ذلك تمثيلًا منه وعملًا مسرحيًا كما يفعل الملوك والقواد، وإنما هو أثر بسيط من التقى النقي الخالص يؤديه رجل بسيط سهل الخلق.
وهو رجل جنوح إلى العزلة، ولوع بالاختفاء، متواضع عطوف على مرؤوسيه وعماله وهو أكره الناس لكسر خواطر الصغار ورفض سؤال السائلين، ولكنه لا يسمح لنفسه أن يعرض على الجماهير، ويرفض الرفض كله أن يطلب منه أن يصور صورًا فوتوغرافية أو يظهر في لوحات الصور المتحركة السينماتوغراف فلا يدع قصة تلك الصور يصورونه وهو يصافح بيده أيدي الفلاحين أو متقبلًا باقات الأزهار من أيدي بيضات الخدور في القرى، وعذارى الريف، أو محيًا السلام العسكري في الاستعراض، وفي زيه يتجنب ما يجعله مترفًا أنيق الملبس، والأثواب العسكرية الزاهية الألوان المزركشات بالذهب عدوته والبغيضة إليه، بل دأبه أن يرتدي بثوب بسيط لا ينماز عن ثوب الجندي بشيء حتى ليخال إليك إذا وقفت منه على شرف إنك ترائي عسكريًا في الصفوف.
ويقول الذي اختلطوا به أنه لا يكاد ينام أو يعقد الكرى جفنيه، إذ ليس لديه وقت للراحة.
ولقد مكث يدير معركة المارن خمسة أيام وليالي خمسًا يقظًا وأذنه مسندة إلى سماعة التلفون فيلقي ويخابر قواده وأعوانه العديدين.
ومن مائدته والألوان التي تقدم إليه في مواقيت الطعام تعرف طراز الحياة التي يعيشها فهي تعيينات رجل عسكري تلتهم بسرعة، وفي صمت، وإن له لشهية قوية بالنظر إلى أنه رجل عمل ما تفتر له همة، صفحة لحم، وطبق خضر وفنجان من القهوة، هي قائمة طعامه وشرابه في اليوم.
وقد اضطر مرة واحدة في العمر أن ينحرف عن النظام الذي وضعه لنفسه فدعا مكاتبي بعض كبريات صحف فرنسا إلى الحضور إليه في مكتبه، وكان يقيم في دار قديمة، قد أفرد