فهرس الكتاب

الصفحة 2360 من 3596

وأمريكا الحديثة

لقد كانت أمريكا ابتكارًا من ابتكارات أوروبا، وخلقًا من خلقها، وهي اليوم من حدود المكسيك إلى رأس هورن في أقصى جنوبها أشبه شيء بإسبانيا والبرتغال لأنها تتكلم بلسانيهما، وتتخلق بأخلاقهما، وتحوي سلالات وذراري من أحفادهما وأما الولايات المتحدة وكندا فصورة من بريطانيا وفرنسا.

على أن أمريكا ليست نسخة حقيقية أصلية من أوروبا، فإن أولئك الطلائع الغربيين الذي انحدروا إليها بقلوب مخاطرة، وأرواح وثابة جريئة، ومادئ جليلة صادقة، لم يفروا من أوطانهم لكي يؤسسوا بناء الاستبداد في الناحية الأخرى، فإن الانكليز البيوريتان وإخوانهم الإيقوسيين الأولين كانوا على جانب عظيم من الشعور بالواجب وتقديس الحقوق الدينية والسياسية، فلم يعانوا المشقة في إبدال الحكومة الملكية القائمة على أساس من قوة الماضي والتاريخ والبطش ديمقراطية جميلة، وشادوا بناء حكومة الأمة وراء نوابها المختارين، وأصبحت أمريكا حكومات جمهورية وشعوبًا من الجمهوريين.

بينما أوروبا تنظر إلى هذا التطور الغريب، والانتقال المدهش، إذ بالحرب الكبرى قد نشبت في العالم المتحضر بأسره، فأثارت مبدأين متعارضين، متقابلين، هما الحق والقوة، ولم يلبث أن قامت الحرب النفسية في قلوب الأمريكيين، بين الدولار - الريال - وبين العقيدة الروحانية القديمة، مبدأ واشنطن وبن، ولبث حزب الحق ينتظر الموقف الذي ستقفه أمريكا في هذه الحرب، ولكن ذلك الرئيس الذي ألقى إليه تقاليد العالم الجديد نهض أمام شعبه فأعلن الحيدة في الحرب ورفض أن يدلي بسهم في تلك المجزرة، لأن هذا الرئيس ودرو ويلسون رجل ثاقب الرأي، بصير بالأمور، ولم تستطع الأحداث يومًا أن تسوقه إلى مخاطرة مجازفة، لأنه انحدر من أسرة كان مبدأها الاحتفاظ بالمشاعر الدينية منذ القدم، ثم نشأ نشأة علمية، وغذى من القانون، ولذلك لم يسلك نفسه وأمته في سلك المحاربين.

والرئيس ويلسون ولد عام 1865 في ولاية فرجينيا، من والدة إيرلندية المنبت وأب إيقوسي المحتد، وكان أبوه قسيسًا فدفعه إلى الجامعة إذ شب عن الطوق، وأتم تعليمه الابتدائي والعالي ووضع كتابه الذي ظفر من أجله بشهادة الدكتوراه ووسمه بعنوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت