للكاتب المؤرخ الكبير اللورد ما كولي
إني أعتقد أن ارتقاء المدينة وتقدم الحضارة يتبعها في الغالب الأرجح تأخر الشعر وانحطاطه. فمع إعجابنا الحار الشديد بأعمال الخيال العظيمة التي أخرجتها العصور المظلمة فإن هذا الإعجاب لا يعظم ولا يزداد لأن هذه الأعمال ظهرت في عصور الظلام، بل على العكس من ذلك أرى أن أعظم دلائل العبقرية وأجلها هو نظم قصيدة كبيرة في عصر حضري متمدن. ولا أستطيع أن أفهم كيف أن أولئك الذين يؤمنون بهذا المبدأ الأدبي الصحيح وهو أن أحسن الشعر على العموم هو الشعر القديم يعجبون من تلك القاعدة التي ذكرناها كأنما هي أمر مستثنى. لا ريب أن وحدة الظاهرة دليل على وحدة السبب.
وفي الواقع نرى النقدة العاديين يستدلون بتقدم العلوم البحثية على تقدم العلوم النقلية. ولكن تقدم الأولى يسير سيرًا تدريجيًا بطيئًا. فعصور تنقضي في جميع المعلومات والمواد وعصور أخرى تنقضي في تعيين تلك المواد وفصلها ومزجها. فإذا ما انتهى البحث إلى تكوين عمل معين لم نعدم أن نجد شيئًا نضيفه إليه أو نغيره فيه أو نطرحه منه. وكذلك يغنم كل جيل كنزًا عظيمًا أهدته له العصور التي قبله، ثم يهديه إلى الأجيال المستقبلة بعده بعد أن يكون قد زاد أيضًا في ذخائره واعلاقه. وبذلك يكون أوائل المفكرين والباحثين غير متمتعين بتك الميزة التي يغنهما من بعدهم تلاميذهم وهم أقل مواهب وعظمة ذهن ويبرزون عليهم في معلوماتهم وأبحاثهم. إن كل فتاة قرأت كتاب المحاورات الاقتصادية الصغيرة تأليف مستر مارست تستطيع أن تعلم مونتاجي أو والبول دروسًا عديدة في العلوم المالية. وأن أي إنسان ذكي الفهم يستطيع الآن في سنوات قليلة، إذا انكمش في دراسة الرياضيات بهمة، أن يحرز من المعلومات أكثر مما عرفه نيوتن العظيم بعد التأمل والدرس زمنًا أكثر من نصف قرن.
ولكن ليست الحال على شيء من ذلك في الموسيقى أو التصوير أو النقش، بل وأقل من ذاك في الشعر. إن التقدم في المدينة وتحسين مرافق الحياة قلما يمد تلك الفنون بموضوعات أفضل تصوغ منها معانيها. نعم قد يكون هذا التقدم سببًا في تحسين الأدوات التي تلزم الموسيقى أو النقاش أو المصور للقيام بأعماله الآلية فحسب، ولكن اللغة التي هي