مختارات من آراء ليوباردى
الكونت جيا كوموليوباردى من أكبر كتاب الدنيا الذين قسموا الناس شيعًا بعدهم وأحزابًا. وهو اليوم أمام نصف العالم أو أكثر. لأنه يقود وراءه جميع المتشائمين في الأرض وهو في آرائه في الحياة والموت والناس أبدع من المعري وشوينهور. بل أنهما ليعدان متفائلين بالنسبة إليه. وكانت وفاته عام 1833 في التاسعة والثلاثين. وقد عاش أكثر عمره مريضًا حزينًا متألمًا. وسننشر تباعًا في البيان مختارات آرائه.
إن العالم ليس إلا مؤتمرًا من الأشرار حربًا للأخيار. وطائفة من اللئام أعداء للكرام. وإذا تلاقى شريران للمرة الأولى في حياتهما لم يلبثا أن يعرف أحدهما الأخر على حقيقته في صمت وسكون، كأن بينهما دلائل لا تبدو لغيرهما، ولم ينويا أن يصبحا أخوين حبيبين في التو والساعة، وإذا لم تسمح مصلحة كل منهما بالإخاء والحب، فلا يسع أحدهما إلا الإحترام صاحبه والإطمئنان إليه. وإذا كان لشرير شأن مع جماعة من الأشرار أو وقعت بينه وبينهم معاملة، فلا يكون ملكه معهم إلا الإخلاص والصدق، ولا يفكر يومًا في خديعتهم، ولكنه إذا ارتبط بمثلها مع نفر من أهل الشرف والخير، فيستحيل عليه أن يتركهم دون الغدر بهم. وإذا رأى الفرصة سانحة له، خرب بيوتهم تخريبًا، وإن يكن يعلم مع ذلك أنهم من أهل البأس والشهامة وأنهم قديرون على أن يثأروا لأنفسهم، لأنه يعلل نفسه إذ ذاك بأنه سيهزم بحيله وخدعه شجاعتهم وبأسهم ولقد رأيت كثيرين من الضعفاء الجبناء وجدوا أنفسهم في مأزق بين شرير أضعف منهم وبين رجل خير شهم، فآثروا أن ينحازوا إلى الشرير مخافة منه ورهبًا، لأن الحياة أهل الوفاء والشهامة ظاهرة واضحة، وأما الأشرار اللؤماء فشأنهم الأسرار والغموض، والمجهول أبدًا أدعي إلى أحداث الرعب من المعلوم والإنسان يستطيع بكل سهولة أن يحتمي من ثأر الأخيار. ولكن لا تستطيع الحيل والألاعيب والمكامن أن تدفع عنك شر غموض اللؤماء من أعدائك، وكذلك ترى الشهامة في العالم قلما يخاف منها أو يحذر شرها، لأنها تحتقر الخداع والكذب والغش، ومن ثم لا تحاول أن تتخذ مظهرًا مخيفًا مرعبًا، على حين ترى الأشرار مخوفين، يظن بهم الشهامة لأن الناس ينخدعون بهدوئهم الرهيب.