وأنت قلما ترى الأشرار اللؤماء في نكد من العيش، وإذا وقع شهم في الفاقة فلا ترى إنسانًا يمد يد العون والغوث، بل كثيرون يبتهجون بفاقته، ولكن إذا تعثر لئيم يومًا في شدة، فلا تلبث أن تنهض المدينة كلها لإنقاذه وإغاثته والسبب بلا ريب بين واضح، وهو أننا بطبيعتنا نحزن لمصائب رفيق لنا، لأن متاعبه لا تزال في نفسها تهديدات لنا ونذرًا، وحيث أن الأشرار هم الفريق الأكبر من العالم، وهم الذين في يدهم القوة، ويعدون غيرهم من اللؤماء الأشرار - وإن لم يعرفوهم - رفاقًا لهم وأحبابًا، فهم يجدون من الواجب عليهم أن يتعاونوا في الشدائد، إذ يظنون من الفضيحة في حقهم أن يري الناس لئيمًا في شدة!
لا يجد الإنسان قط في المحادثة لذة أو بهجة إلا إذا انطلق يتحدث عن نفسه أو مهنته أو ما يشغله من شؤونه ومزاياه، فإذا انحرف الحديث عن هذا السبيل انقبض وثارت في نفسه السآمة والملل، وإن كان السرور الذي يداخلنا ونحن نعلن عن أنسفنا هو البلاء كله على المسامع، فإذا أردت أن نشهر بأن تكون محببًا مؤنس العشرة فاعلم أنك ولا شك ستقاضى عن هذه الشهرة أشد الصبر والألم، لأن الذي يشهر بلطف العشرة هو من يصبر على أنانية الناس في حديثهم، ويؤثر الصمت على الكلام، وهذا لعمري شديد الوطأة على النفس وفيه البلاء والعذاب.
فإن جلست إلى إنسان فاجتهد في أن تسوقه إلى الكلام عن نفسه. وعن شؤونه ما شاء حتى يفارقك وهو راضٍ عن نفسه كل الرضى، وأنت ضائق الذرع مقتول مما عانيت.
إن الرجل الذي يظفر بحاجة كان يطلبها بعد متعبةٍ أو طول عناءٍ أو مضض تطاول وتسويف، يحس بأشد الغضب والسخط إذ يري غيره ظفر بها في سهولة ورفق، وإن كان ذلك لم يفقده شيئًا من حاجته، ووجه غضبه وحقده أن حاجته تبدو له كأنها قد خسرت شيئًا من قيمتها إذ يراها قد وقعت إلى رجل لم يكدح كدحه، ولم يشق شقاءه.
لا مناص للإنسان من أمرين، فإما أن يضيع شبابه تضييعًا وإن كان الشباب هو الزمن الذي يدخر فيه الإنسان شيئًا لشيخوخته وعجزه عن العمل - وإما أن يقضيه تأهبًا وكدحًا على أمل أن ينعم ويبتهج في زمن لا يستطيع فيه النعمة والبهجة.
مركز المرأة الإجتماعي