أحمد لطفي بك
شخصيته - اطلاعه - مبادئه - أسلوبه - مستقبله
كل رجل عظيم أرادت به الطبيعة غرضًا ساميًا من أغراضها الكبرى في الأرض يحمل في فؤاده شيئًا من عظمة الطبيعة نفسها التي أرسلته وهو لا يزال يعيش بروح الجندي، وإن لم يحمل سيفًا، لأنه خلق للقيادة والأمر، فهو يهبط على الناس بذهنه، فيقتادهم إلى الطريق التي يهتدي إلى سننها، طائعين أو كارهين، ولقد سيقت شعوب كثيرة إلى ما كانت تكره، لأنها لم تستطع أن تفلت من مغناطيسية القائد العظيم.
ولعل العظيم في صورة الكاتب أكثر وسيلة إلى القلوب، وأقرب مدخلًا إلى الأرواح، لأن الناس يرون أمام أعينهم الزائغة القلقة الخائفة، رأسًا عظيمًا جبارًا، وقلمًا بديعًا ساحرًا جذابًا، فإذا حاولوا الإفلات من ناحية، أمسكتهم الأخرى، وإذا سكن القلم يومًا، انطلق الرأس أيامًا، وكم من كتاب في الدنيا سادوا على الأفئدة سيادة الملوك على مرافق الأمم، وإن لم يحملوا سيفًا، ولم يكن لهم سلطان من مال، أو سلطان من جاه أو دهاء أو خدعة مكر.
والطبيعة تخلق في العصر الواحد كتّابًا كثيرين على الألوان المتعددة التي يصلحون لها، ولكنها لا تريد لهم القيادة، ولا تمنحهم الزعامة، بل تحبس كل هذا فتخص به رجلًا عظيمًا واحدًا، وتدع الباقين رسلًا له وحاشية وبلاطًا، أو أعداء وبغضاء ومنافسين، لتتم لها من أي واحدة منهما الغاية التي تطلبها، وقد يلذها أن يكون هؤلاء أعداء له، لأنها ستقف على مشهد من العراك العنيف بين القطة العظيمة والجرذان الصغار.
وقد تضن أحيانًا على أهل عصر من العصور بالكاتب القائد وتأبى إلا أن يعيش العصر أخرس صامتًا تلعب به قوالب صغيرة من الكتاب لا تملك اللولب النفسي الذي يسمو بالقواد والعظماء، وقد نرسل إليه نصف قائد، لأنها تكون إذ ذاك في شغل بإعداد القائد التام، فتخرج الأول ليكون مندوبًا عن الثاني فقط، حتى يثب من أحشاء الزمن فيأخذ مكانه الذي هيئ له.
وقد كان ذلك هو الحال في مصر، فنحن نعلم أننا مقفرون في العصر الأخير من القواد