سمع الحكيم زارثوسترا بفيلسوف جليل يجيد الكلام على الفضيلة والنوم ويفسر أسرارهما وإن هذا الفيلسوف يأتيه طلاب العلم من كل فج عميق فيلتفون حوله ويشنف هو آذانهم بلالئ الحكمة، فوفد (زارثوسترا) على هذا الفيلسوف في الوافدين وانتظم في سلك حلقته حتى إذا التف المحفل واحتشد القوم انبرى الفيلسوف يقول:
إن للنوم لجلالًا وروعة وإن له لموقعًا عظيمًا في صدور من يبصرون آيته، وهيبة وإكبارًا في نفوس من يقفون في حضرته. ألا ترى اللص نفسه يرهقه الخشوع إذا صار في جوار النوم؟ ألا تراه يدب بالليل في خفية ويسير في الظلام الهوينا؟ وإن كان الخفير - أخزاه الله وآذاه - لا يرعي للنوم هذه الحرمة فتراه يصيح جوف الليل كالبعير.
ليس النوم مطلبًا سهلًا وعملًا هينًا ودليل ذلك أنك لا تستطيع استدراجه إلا بإمضائك النهار الطويل مستيقظًا.
ولكي تضمن نيل النوم ليلًا يجب عليك أن تغلب شهوتك وتقهر نفسك عشر مرات بالنهار. فإن محاربتك النفس وقهرها يحدث في قواك وهنا مستلذا وتعبًا مريحًا وهو بمثابة مخدر للروح ومنوم.
ولكي يأتيك النوم عفوًا ينبغي لك بعد محاربتك النفس وقهرها أن ترجع إليها مسالمًا ملا ينا فتصالحها لأن قهر النفس أليم. وخصيم نفسه خليق أن يبيت خصيم نومه وأيضًا ينبغي لك أن تحصل أثناء النهار عشر حقائق وإلا اضطررت إلى التماس الحقيقة أثناء الليل فحرمت طيب الوسن. وبت بروح جائعة.
وكذلك يجب عليك أن تضحك في خلال النهار عشر مرات وتبش وتنشرح وإلا لم تأمن أن تثور عليك بالليل المعدة - أم الشرور والمضار. وقرارة المحن والأكدار.
وعلى من طلب النوم المطمئن أن يشعر قلبه الفضائل كافة. فإنه لا نوم لمن حضرت فراشه هاجسات الرذائل والخباثث توسوس له فيطفق يناجي نفسه بمثل هذه الكلمات أأشهد الزور؟ أأقترف السفاح؟ أأغوي فتاة جاري؟؟. أأخون صاحبي؟ هذه الوساوس وأمثالها لا تجرئ مع النوم في طريق واحد.
ولا يكفيك استحضارك الفضائل حتى ثنيم هذه الفضائل في الوقت المناسب فإنك أن أبقيتها ياقظة ناقشتك الحساب وخاصمتك وحاجتك وما هذا مما يجلب النوم.