الرسالة الأولى
من الإسكندرية إلى المرية
وهنا كأن الأمير أراد أن يطوي بساط هذا الموضوع فانتقل فجأة إلى معنى آخر فقال: هل يحفظ أخونا المصري شيئًا مما مدح به المتنبي الشاعر كافورًا، وهل لا يزال هذا الشاعر مقيمًا في مصر؟ فقلت: نعم يا مولاي الأمير، لقد فارقت مصر ولما يزل المتنبي في خدمة مولانا أبي المسك كافور ولقد امتدحه بأحسن المدح، وحق له أن يمتدحه، إذ اللُّها يا مولاي تفتح اللَّها كما يقولون، فما يعلق بالذاكرة مما أنشدنيه قوله فيه، بعد أن وصف الحيل التي سرت به إليه:
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحراستقل السواقيا
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضًا خلفها ومآقيا
وقوله في قصيدة:
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملى عليَّ فأكتب
إذا ترك الإنسان أهلًا وراءه ... ويمم كافورًا فما يتغرب
ومن جملة هذه القصيدة:
يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وأبكى من أحب وأندب
أحن إلى أهلى وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب
فإن لم يكن إلا أبو المسك أو هم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب
وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب
فقال الأمير: بيد أن لهذا الشاعر في سيف الدولة بن حمدان ما هو أبرع مما مدح به كافورًا، ويعجبني من قصيدة له في هذه الأبيات الحكيمة:
إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا
من أطاق التماس شيء غلابًا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
كل غادٍ لحاجةٍ يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا
وهذه الأبيات