وفاء المرأة العربية
حكي أن معاوية جلس بمكان بدمشق مفتح جوانب الأربع يدخل منها النسيم فبينما هو جالس في يوم قيظ وهو صاحي النهار ولفح الهجير إذ نظر إلى رجل يمشي وهو يتلظى من حر التراب ويحجل في مشيته رجلًا حافيًا تتأمله ثم التفت إلى جلسائه وقال هل خلق الله أشقى ممن يحتاج إلى الحركة في مثل هذا الوقت فقال بعضهم لعله يقصد أمير المؤمنين فقال والله لئن كان قاصدي سائلًا لأعطيته ومستجيرًا لأجرته أو مظلومًا لنصرته، يا غلام قف بالباب فإن طلبني هذا الإعرابي فلا تمنعه الدخول فخرج الغلام فوافى الإعرابي فقال له ما تريد فقال أمير المؤمنين. فقال له ادخل فدخل وسلم على معاوية فقال له من أين الرجل فقال من تمين فقال له ما جاء بك في هذا الوقت قال جئتك شاكيًا وبك مستجيرًا فقال ممن فقال من مروان بن الحكم عاملك ثم أنشأ يقول:
معاوي يا ذا الجود والحلم والفضل ... ويا ذا الندى والرشد والعلم والنبل
أتيتك لما ضاف في الأرض مذهبي ... فيا غوث لا تقطع رجائي من البذل
سباني سعدي وانبرى لخصومتي ... وجار ولم يعدل وغاضبني أهلي
فلما سمع معاوية إنشاده والنار تتوقد فيه قال له مهلًا يا أخا العرب اذكر قصتك وأفصح عن أمرك قال كانت لي زوجة وهي ابنة عمي وكنت لها محبًا وبها كلفًا وأنا قرير العين طيب العيش وكانت لي قطعة من الإبل أستعين بها على قيام حالي وكفا أودي فأصابتني سنة شديدة أذهبت الخف والظلف وبقيت لا أملك شيئًا قلما قل ما بيدي وذهب مالي بقيت مهانًا ثقيلًا على وجه الأرض أبعدني من كان يشتهي قولي وأزور عني من كان يرغب في زيارتي فلما علم أبوها ما بي من سوء الحال وقلة المال طردني وأغلظ علي فأتيت الملك مروان مستصرخًا به راجيًا لنصرته فأحضر أباها وسأله عن حالي فقال لا أعرفه قبل اليوم فقلت أصلح الله الأمير أحضر ابنته واسألها عن حالي فبعث إليها فأحضرها مجلسه فلما وقعت بين يديه وقعت منه موقع الإعجاب وصار لي خصمًا وعلي متكبرًا ونهرني وأظهر لي الغضب وبعث بي إلى السجن وبقيت كأنما خررت من السماء بمكان سحيق ثم قال لأبيها هل لك أن تزوجني منها على ألف دينار وعشرة آلاف درهم لك وأنا ضامن