فهرس الكتاب

الصفحة 1091 من 3596

وعشرين سنة فلا جرم إذا توقعنا أن يصبح عدادهم في نهاية هذا القرن نحو من مائة مليون.

لقد استحالت تلكم الأرض الساكنة إلى أرض صناعية كثيرة الجلبة والضوضاء، وأصبحت تدوي بأصوات الآلات وتضج بحركات العمال والرجال، وتبدلت الغاية الكثيفة بمئات المدن، وتحولت الأجمة الملتفة بعشرات البلدان، وكفلت للتجارة المقادير الوافرة من الأقوات والمحصولات مثل القطن والتبغ والمأكولات، وأخرجت الأرض أثقالها من الذهب والفحم والحديد، وجمعوا إلى هذه القوة المادية قوة أخلاقية فأنشئت الكنائس، وأقيمت المعاهد، وفتحت المدارس ومدت السكك الحديدية. وفاقت في طوله أطول خطوط أوروبا جميعًا إذ بلغ في سنة 1873 مجموع طول سكك حديد أوروبا ثلاثًا وستين ألفًا وثلاثمائة وستين ميلًا. على حين أن قد بلغت في أمريكا سبعين ألفًا وستمائة وخمسين من الأميال. ولقد وصلت سكة واحدة منها بين المحيط الأطلانطي والمحيط الهادي.

ولا ينبغي أن نقتصر على التنويه بهذه النتائج المادية بل هناك نتائج أخلاقية تلفت الأبصار. فقد أطلقوا سراح أربعة ملايين من الزنوج. وأخرجوهم من أسار الرق والاستعباد وإذا كانت القوانين الأمريكية تجنح إلى خدمة طبقة من الطبقات فهي طبقة الفقراء إذ أرادت أن ترفعهم من فقرهم وتحسن حالهم. ومن ثم تمهدت للنبوغ كل سبيل وذل كل شيء أمام العلم والجهد. ولقد شغل أعظم الوظائف رجال نهضوا بأنفسهم من أحقر مراتب الحياة وأسفل درك العيش. وإذا كانوا قد فقدوا المساواة الاجتماعية. إذ لا تتفق المساواة الاجتماعية للجماعات الغنية. فقد اعتاضوا عنها بالمساواة المدنية.

وقد يقول قائل إن هذه السعادة نتجت من أحوال خاصة إذ لم يتوفر مثلها لعشب قبلهم. ونديب لقد كان هناك عالم فسيح ممهد للعمل. وقارة بأسرها ذلول لمن يريد امتلاكها لا تطلب إلا الكد والناس للتغلب على قوى الطبيعة والاستحواذ علي ثمرات هذا التغلب.

ولكن أليس من اللازم أن يكون هؤلاء القوم على مبدأ عظيم وهم يحولون المجاهل الساكنة إلى مقام للمدينة، ويمشون في تلك المناكب لا تروعهم مظلمة الغابات ولا الأنهار ولا الصحارى ولا الجبال، ويدفعون على سبيل الفتح في مدى قرن واحد فيصلون بين الأوقيانوسين، ويمتلكون ما بينهما امتلاكًا؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت