فهرس الكتاب

الصفحة 1097 من 3596

وإن نقل حياة الغرب من ذلك الركود الذي أسنت فيه زهاء قرون وأجيال وأحياء مواتها وإدخال مبدأ الشخصية عليها هو تحريضها على نزاع يقوم بينها وبين المؤثرات التي كانت تعمل فيها وتظلم لها ولقد مر القرن الرابع شعر وولي على أثره القرن الخامس عشر فقامت فيهما منازعات ومناوشات كانت عنوانًا على ما أتت به الأيام ونبوءة لما وقع من الأحداث بعد ذلك حتى إذا كان القرن السادس عشر في أوائله أعنى حوال عام 1517 نشبت الحرب الكبرى وقامت الموقعة المأثورة إذ تجسم مبدأ الشخصية في راهب جرماني صلب العود رابط الجأش وأعلن حقوقه في شكل ديني وكان منحاه هذا ضروريًا في بادئة الأمر وقامت إذ ذاك منازعات في مسألة بيع المغفرة وغيرها من المسائل التافهة ولكن لم يلبث أن وضح الصبح لدي عينين وعرف السبب الجوهري الداعي إلى هذا النزاع وهو أن مارتن لوثر أبى أن يفكر كما أمر رجال الدين ورفض أن يرضى بآراء أحباره وكهانه وأصر على أو له حقًا قائمًا لا حول عنه وهو تفسير الإنجيل لنفسه.

ولم تر روما في مارتن لوثر إذ ذاك من النظرة الأولى إلا راهبًا سوقه ضعيفًا صخابًا، لا خشية منه ولا أذى، ولو استطاعت محكمة التفتيش أن تقبض عليه يومئذ لانتهت منه ومن صخبه، ولكن مضى النزاع واستمر الخلاف، ورأت الكنيسة أن مارتن لوثر ليس واقفًا إزاءها وحده بل أن وراءه آلافًا من الرجال، لهم عزيمته وثباته، كلهم وقف على عونه ونصرته فهو يمضي في القتال بقلمه وكلمه، وهم يؤيديون آراءه وينصرون مبادئه بحد المشرفيات وغرب السيوف.

وقد انهال على مارتن لوثر من أفواه رجال الدين صيب من المثالب والشتائم كانت من كثرتها مضحكة. إذ قالوا أن أباه لم يكن زوج أمه بل عفريت مسيخ فسق بها، وإن مارتن مضى في حرب مع ضميره عشرة أعوام صار بعدها زنديقًا كافرًا، وأنه ينكر خلود الروح. وإنه نظم في التغني بالسكر والخمر أغنيات وأناشيد، إذ كان بهذه المأثمة مولعًا، وأنه يسب الكتب السماوية. ويفرد كل السباب لموسى وأنه لم يكن يعتقد كلمة واحدة مما كان يخطب به الناس. وفوق ذلك إن الإصلاح الذي ينويه ليس من عمله وإنما من تخرص منجم. ولقد شاع على ألسنة أحبار روما أن أراسماس وضع بيضة الإصلاح ولوثر تقفها.

ولقد وهمت روما بادئ بدء في ظنها أن لا شيء في تلك الحركة إلا ضجة عرضية ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت