فهرس الكتاب

الصفحة 1219 من 3596

صروف الدهر ودول الأيام واضطرابي بين هذا البلد وذاك بينا تراني في لندن إذ أنا بالريف، ثم لا تلبث أن تراني في بلاد الفرنس وكأنك بي بعد أيام أطأ تربة أمريكا:

يومًا بحزوى ويومًا بالعقي ... ق وبالعذيب يومًا ويومًا بالخليضاء

ولكن الله أراد بالأمة الإنكليزية خيرًا فلم يقدر لفيلسوفها العظيم مناخًا في غير أرضها، ولم يبشنف بأنغام مزهر بيانه إلا مسامع بني أوطانه. وفي عام 1758 اقترح على أحد الساسة دودزلي كتابة تاريخ سنوي لإنكلترا يستوعب أهم حوادث الحياة الاجتماعية والسياسية والأمور الأخلاقية، فوافق الاقتراح هوى في نفس ذلك السياسي، وظهر التاريخ السنوي واستمر برك يكتب القسم السياسي أو الخلاصة حتى عام 1788 بأجر سنوي قدره مائة جنيه.

وفي عام 1761 ذهب السياسي هاملتون إلى إيرلنده ليشغل بها وظيفة كاتب أسرار الحاكم العام وهو اللورد هاليفاكس إذ ذاك واستصحب معه بيرك كاتبًا له وهنالك انتفع هاملتون أشد الانتفاع بمواهب بيرك ومعارفه وأجرى عليه رزقًا قدره ثلاثمائة جنيه في العام، ثم حدث خلاف بينهما فاستقال بيرك وعاد إلى إنكلترا وقد بلغ السابعة والثلاثين من عمره، وأصبح ذا ذرية وأنه لصفر من المال والوظيفة، بعيد من مناطق الحرف وميادين العمل. ولكن أعاظم الرجال لابد لهم من عصور محنة وأيام شدة وأوقات فراغ وعزلة تنضج فيها قرائحهم وتجم فيها بدائههم وتحتفل اثناءها خواطرهم ويتهيأون في خلالها لملاقاة الخطوب الجسيمة وإمضاء الأمور العظيمة. فيخرج أحدهم من غيابة العزلة والخمول والمحنة وقد سله الله للخطوب من الغمد كسل المهند المغمود.

فلما كان عام 1765 رأس الوزارة اللورد روكنجهام رئيس الأحرار إذ ذاك فاتخذ بيرك كاتب أسراره، فكان هذا العمل الجديد مدعاة لظهور فضل بيرك فعرف القوم قيمته وأحبوه حبًا جمًا حتى إذا كان انتخاب أعضاء البرلمان في عام 1765 انتخب بيرك عضوًا من حزب الأحرار، ومن ذلك الحين فصاعدًا بزغ نجمه وأزهرت دولته وهبط على مجلس البرلمان من فيه ذلك الوحي الجليل السنين الطوال، وتساقط عليهم ذلك الدر البهي الذي لا معدن له إلا بحر علمه الفياض، ولج خاطره الزاخر. وكم له في مجلس البرلمان من موقف كان يأخذ فيه بمجامع القلوب وأزمة النفوس إذ يرسل القول متدفقًا عذبًا حتى تظل الألباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت