شارد القلوب بحبائل شره، وبروض شمس النفوس باعته انبساطه وأنسه. يغنيه تودد وجهه عن تودد لسانه. وتكفيه خلابة نظراته خلابة بيانه. تفيض ابتسامته على أعطاف المجلس رونقًا كرونق الربيع الجديد. وتبعث في ساحة الروح نسيمًا كأنفاس الخمائل. وكأني بالوزير الخطير، لو قد مشى بالصلح بين بكر وتغلب في حرب البسوس. بعد أن عم بين المتحاربين الويل وطفح الكيل. وخاب كل سفير، وأخفقت كل واسطة، لأصلح بين الفريقين قبل أن يفوه ببنت شفة أو ينطق بأدنى كلمة. وكأني به يشفي بعذوبة روحه وسحر شيمته من المس والخيال، والهم والغم، والكرب واليأس، وكأني به لو عرض للسيل الجارف لوقف. أو للبركان القاذف لكف. أو للزوبعة الثائرة لهدأت. أو للهاجرة المستعرة لروحت. وإني لأذكر به بطل الأبطال خالب النفوس وجاذب الأرواح نابليون الأول ذلك الذي كان يرد الجيش المرموم بنظرة. ويقتاد الجماهير المجمهرة بشعرة. ذلك الذي بلغ من ثباته وقوته أن خسر دولة الأرض ومملكة الدنيا فلم يك إلا كلاعب الشطرنج خسر دورًا.
قد علمنا أن الرجولة أو كما يسميها البعض البطولة والعظمة قد بنيت على قاعدتين وهما الرأي والعزيمة أعني الرأس المفكر واليد الفعالة، وذلك أن يؤتي المرء نفاذ البصيرة وتنفيذ الإرادة. فباجتماعها تكمل الرجولة وبإعوازهما يكون الرجل تمثالًا متحركًا وصنمًا أخرس وآلة صماء. وبإعواز أحدهما يكون المرء ناقصًا أبتر. فإذا كان ثاقب البصر بغير عزم لم ينفعه بصره ولم تغن عنه قريحته وكان كالمرأة تريك عديد الصور ولا تنيلك مما تحتويه شيئًا. وكالمسن يسحذ ولا يقطع. وإذا كان ماضي العزيمة بلا رأي فربما كان مضاء عزمه بلاء عليه من حيث أنه يركب به متن الضلال ويتعسف به مجاهل الغي. فأما اجتماع الخلتين فذاك كما قلنا هو عين الرجولة والبطولة. وعدلي باشا هو الرجل الذي اجتمعت فيه الخلتان والتقت لديه الفضيلتان. عرفناه نافذًا البصيرة مسدد الآراء.
لاو ذعيا كأنما بين جنب ... يه مصابيح كل ليل بهيم
فكم جلى ظلمة الشك بنور اليقين. وكم فض بمفتاح الرأي المشاكل. وكم له من فكرة عالية سديدة. وخطة واضحة رشيدة. ثم يعقب ذلك تنفيذ الآراء بعزيمة أمضى من النجم. وإرادة أصلب من الحديد. وقد جنى أهل الأقاليم التي كان عطوفة الوزير يليها ثمار هذا الفضل المبين. حلوة المذاق عذبة المساغ مباركة الفائدة. وكان عطوفته يرى آثار كده فيحمد جهاده