فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب وقالا ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس عنده ولا أحب إليه من ابن أخته، قد رده الله عليه بناء فخرجا به حتى دفعا إلى باب جذيمة بالحيرة فبشراه فسر بذلك سرورًا شديدًا وأنكره لحال ما كان فيه فقالا أبيت اللعن إن من كان في مثل حاله يتغير فأرسل به إلى أمه فمكث عندها أيامًا ثم أعادته إليه فقال لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق فما ذهب عن عيني ولا قلبي إلى الساعة فأعادوا عليه الطوق فلما نظر إليه إليه قال شب عمرو عن الطوق فأرسلها مثلًا، وقال لمالك وعقيل حكمكما قالا حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت، فهما ندمانًا جذيمة اللذان ضربا مثلًا في أشعار العرب.
وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف الشأم عمرو بن ظرب العمليقي من العماليق، فجمع جذيمة جموعًا من العرب فسار إليه يريد غزاته وأقبل عمرو بن ظرب بجموعة من الشام فالتقوا فاقتتلوا قتالًا شديدًا فقتل عمرو ابن ظرب وانفضت جموعه وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين - ثم ملكت من بعد عمرو ابنته الزباء ومان جنودها بقايا من العماليق والعاربة الأولي وقبائل فضاعة - وكان للزباء أخت يقال لها زبيبة فبنت لها قصرًا حصينا على شاطئ الفرات الغربي وكانت تشتو عند أختها وتربع ببطن النجار وتصير إلى تدمر - فلما أن استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها أجمعت لغزو جذيمة تطلب بثار أبيها فقالت لها أختها زبيبة وكانت ذا رأي ودهاء وإرب يا زباء إنك إن عزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده أن ظفرت أصبت ثارك وإن قتلت ذهب ملكك والحرب سجال وعثراتها لا تستقال وإن كعبك لم يزال ساميًا على من ناواك وساماك ولم تري بؤسًا ولا غيرًا ولا تدرين لمن تكون العاقبة وعلى من تكون الدائرة - فقالت لها الزباء قد أديت النصيحة وأحسنت الروية وإن الرأي السديد ما رأيت والقول ما قلت فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة ورفضت ذلك وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها وأن يصل بلاده ببلادها وكان فيما كتبت به: إنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة وأنها لم تجد لملكها موضعًا ولا لنفسها كفؤًا غيرك. فأقبل إلى فاجمع ملكي إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمري مع أمرك. فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة وقدم عليه رسلها استخفه