فهرس الكتاب

الصفحة 1316 من 3596

والخلال التي تستحب في الفتيان، وتحمد من الأحداث من الرجال.

وكان أيام المحاكمة أربط ما يكون جأشًا، وأثبت ما يكون جنانًا، وأحمى ما يكون آنفًا، وإن الحدة الشريفة التي خلع بها عنه أمام القضاء تهمة الخيانة، والعزة التي نطق بها اسمه، والاسترحام الذي جهر به إلى الأجيال المقبلة في تلك الساعة العصيبة، كل هذه نفذت إلى صميم كل قلب كريم، وتغلغلت في أثناء كل صدر رحيم، حتى لقد بكاه أعداؤه، ولهف عليه أخصامه، وأشفقوا من تلك السياسة المتجهمة العابسة التي أملت الحكم بإعدامه.

ولكن هناك قلبًا واحدًا، أين لأبلغ الأقلام أن يصف ما كان يكابد من حرقة وألم، ويعالج من تفتيت وتعذيب.

كان في أيام رخائه الأولى، وعهود نعمته الماضية، قد وقع حبه من فؤاد فتاة حسناء عذبة المحضر، كان أبوها محاميًا في قومه مسموع الاسم، نايه الذكر، أحبته ذلك الحب الحار الخالص أول حب المرأة في شبابها، ولشد ما كان حبها، وأحر ما كان وجدها، وأعظم ما كانت لآلامه آلامها يوم حفت به التهلكة، وسددت إليه عبر الدنيا، ووجهت إليه سهام الأقاويل، وأدبر من زمانه ما كان مقبلًا، وهوي من نجوم سعده ما كان متألقًا مسفرًا وأحدق باسمه العار والخطر، وإذا كان مصابه قد أثار هاجع الرحمة في قلوب الأعداء، فليت شعري ماذا يكون مبل عذاب تلك التي كانت جميع روحها متوجهة قبل صورته.

ألا فليقل لك أولئك الذين حالت أبواب القبر وصفائحه. بينهم وبين أعز الناس في الدنيا عليهم. وأحب الخلق إلى نفوسهم. أولئك الذين جلسوا على وصيد المقبرة وعتبتها. كمن ترك في العالم وحيدًا، قد تولى عنه أحبابه، وارتحل عنه أصحابه.

وأي عزاء تري يشفع لأهوال ذلك القبر. وفضيحة ذلك الموت، وعار ذلك الرحيل، ولم يصيح في الذكرى ما يختلف من لوعة الفراق، أو يذيب الحزن عبرات، ويبعث الأسى دموعًا، كقطرات الندى من جفون السماء تحيي به القلب الكسير والفؤاد الموجع، في ساعة الرحيل المحرقة المؤلمة؟.

ولقد زاد عذابها، وأكبر مصلبها، أن حبها لم يكن عن رضى من أبيها ولا عن مسرة، ولذاك لفظها أبوها من رحمته، ونفاها من حظيرته. وطردها من سقفه وكنفه. ولو استطاعت رحمة الأصحاب، وإعانات الأحباب. وعطايا الأصدقاء، أن تغني عن هذه الروح المنكوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت