جذابة الحديث، لها في الأدب قسط، ومن القلم نصيب، ولقد فرح بها نيتشه فرحًا عظيمًا، فكتبت له يومًا وهو في وحدته في جنوه تدعوه لزيارة روما فأذعن، وكانت ترأمه كما ترأم الأم وليدها، وكانت تعطف عليه وتهتم له، وكانت تريد أن تجد له زوجة تكون بردًا على روحه الحزينة الوحيدة وسلامًا، بل أن نيتشه نفسه كتب إليها يومًا لا أكذبك حاجتي، أنا لا أريد إلا امرأة فوجدت من توسمت فيها الخير لهذا الفيلسوف الجوالة الهائم الحزين، وهي الآنسة سالومية، فتاة حسناء. فاتنة لم تكن جازت العشرين، فما وقع بصر نيتشه عليها حتى نزلت في حبة فؤاده، وما لبث أن راح في جمالها صبا مدلها، ومضي دهر فسألها الزواج ولكنها قابلت ذلك بالرفض فظل مع ذلك في قربها شهرين آخرين. ولكن لم يلبث أن تقاطعا وتهاجرا بغتة واحدة، ولا يعرف أحد من الناس ماذا كان يجري وراء الستار، لأن سالومية نفسها وأخت نيتشه قد سكتا عن ذلك حتى اليوم ولا يريدان أن يشرحا لنا أسرار هذه المأساة الكوميدية، ولم يخسر نيتشه فقط هذه الرفيقة الجميلة الحسناء - هذه المرأة الفاتنة التي أراد أن يظفر منها بالزوجة المخلصة الحنون العطوف، بل خسر من أجلها صداقة عزيز لديه وصاحب من أكرم صحبه عليه وهو صديقه (ري) لأنه اتهمه بالخيانة، وارتاب في سلوكه مع سالومية.
وكان نيتشه يميل إلى النكتة القارصة، قالت له يومًا سيدة إنكليزية مهزولة البدن غير موفورة الصحة نحيلة اللحم (أنا عالمة يا مستر نيتشه بأنك تاتب، فلهذا أريد أن أقرأ كتبك) فما كان منه إلا أن أجاب (كلا، إني لا أريدك أن تقرأي كتبي، فإنه إذا كان ما كتبته حقًا فإن امرأة ضعيفة مثلك لا يجب أن تعيش!) .
وبدأ يعاني بعد ذلك آلام الأرق فكان يتحصن منه بالعقاقير، وأخذ مخه يضطرب رويدًا في بطء، فقد كتب في سنة 1888 إلى الآنسة ما ينسباج (لقد أخرجت للعالم أعمق كتاب، أنا أكبر رجل في أوروبا، أنا الكاتب الوحيد في ألمانيا) .
ووضع في تلك السنة وهو على هذه الحال من اضطراب الذهن كتابًا سامًا مرًا مقذعًا في صديقه ومعبوده القديم واجنر يقول فيه، إن واجنر إن هو إلا ممثل وليس من الموسيقار في شيء، هو عارض من عوارض الحياة المنحطة الضئيلة المسكينة الفقيرة، هو أفعى سامة ذات ضوضاء وصليل، هو مثال الانحطاط التام الكامل، إن موسيقاه ليست إلا موسيقى