يطعن في هذا الوجود ويمزق بلسان الذم أديمه ويرميه بكل عيب ومنقصة لأنه يكون إذ ذاك أهلًا للقذف والقذع وتكون أفعاله في الواقع خبيثة منكرة ويكون بحق ذلك الأرعن الأخرق المجنون آنًا مسرفًا وآنًا شحيحًا وفي جميع أحواله اعمى عن العواقب راكبًا سبل الغواية طارقًا أبواب الفساد حتى لقد آن أن يضرب على يده فيجعل تحت رقابة أستاذ مؤدب وحكيم مهذب من حائزي أرقى شهادات الفلسفة من أكبر جامعات أوربا فالكون إذن مجرد من العقل والفضيلة وعليه إما أن يعتدل فيستقيم أو يتوارى فيخفى.
هذا لو كانت القوانين المدبرة للكون هي عين المدبرة للعقل الإنساني ولكن أيها الأحمق الضعيف إني لك الحكم بأن هذا هو الواقع وبأي حق تطبق على الكون وأحواله خطة النظر والاستدلال الخاصة بك؟ أليس من المحتمل بل من المرجح أن عجز الذهن البشري عن تفسير المظاهر الكونية وربما كان أشد من عجز مفتاح ساعتك عن فتح القفل المحكم من خزانة حديثة الطراز ومع ذلك فالقوي المتصرفة في إدارة كيان الإنسان قد تكون هي عين القوى المتصرفة في إدارة السكون كما إن القواعد الميكانيكية التي يقوم عليها تركيب قفل الخزانة المذكورة هي عين التي يقوم عليها تركيب ساعتك وإنما الأمر هو فرق بين شيئين أحدهما صغير جدًا والثاني مفرط العظمة لا حد له ولا نهاية - أحدهما بسيط بالقياس والثاني متناهي التركيب والتعقيد ونحعن فلا نجد أمامنا بعد ما ينفي قول من يزعم أن للكون عقلًا شاملًا عامًا يعجز دماغ آدمي وأضيفت إليها القوى في هيئة حركة عصبية تولد عن ذلك جسمه والتي أهمها الأوكسجين والإيدروجين والآزوت والكربون والحديد والفسفور الكبريت والكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والكلور توجد ايضًا بكثرة مفرطة خارج الجسم لبشري الحي وكذلك القوى التي بها تؤدي الأعضاء وظائفها الحيوية وأعني بهذه لقوى القوانين الكيماوية والميكانيكية كالكهرباء وغيرها من ضروب الحركة هذه أيضًا فعالة خارج جسد الإنسان فمن ذا الذي يجرأ بعد ذلك على القول بأن هذه العناصر لا يتولد عنها عقل إلا إذا تألفت على شكل واحد خاص - شكل الدماغ الإنساني والجهاز العصبي، أليس من المعقول بل من المحتمل أن شكل الجهاز العصبي هو شيء جاء من طريق الصدفة والاتفاق وأن الجزء الجوهري والركن الأساسي إنما هو العناصر المؤلفة للجهاز المذكور والقوى الفعالة في طيه وأن هذه العناصر والقوى قد تنتج أيضًا نوعًا ما من العقل