فهرس الكتاب

الصفحة 1624 من 3596

التمثال كتلة لا شكل لها ولا صيغة ولا مبدأ ولا نهاية ولا أدنى آية على عقل أو حكمة أو نظام أو مبدأ - وجانب من هذه الكتلة أنعم من خدود الحسان، وفي ذلك المكان انبعاج لا يهتدى فيه إلى أصل ولا فصل، ثم إذا قيض لهذه الذبابة أن تقضى أيامها في جوف هذا التمثال لكان من المرجح أنها تضع مؤلفًا ضخمًا يتناول هذا الكون الذي يحتويها بجميع أصناف الهجاء والطعن تقرر فيه الذبابة المذكورة فساد خطة دنياها واختلال ميزانها ووضوح خرقها وبلهها، وحمقها وسفهها، موردة في سبيل ذلك من الأدلة كل دامغ قاطع، ومن البراهين كل ناطق ناصع، مما لا يدع في قلوب سائر الذباب من بنات جنسها أدنى مجال للشك في صدق قولها وصحة قضيتها، حتى لا ترى فردًا من سكان هذا العالم (أعني تمثال بافاريا) إلا قد راح مقتنعًا بصواب ذلك الرأي معتنقًا لذلك المذهب على أن الذبابة لم تصل بعد إلى الحقيقة ولم توفق إلا إلى الضلال والخطأ وهذا ما يمكنها معرفته من أحقر الكتب المعنونة دليل بافاريا.

لا لا! ما أحسب فلسفة التشاؤم إلا هازلة، وما أظن فلاسفة التشاؤم إلا مازحين، وكل ما فيها من الحق هو تأفف شديد من ضعف إدراكنا وعجز أذهاننا، فترى أحدنا يود لو يقف على سر تركيب الكون ولكن هذا ما لا يكون أبدًا فلا جرم أن تجدنا نغضب ونغتاظ على الكون حتى نظل بحال الهمجي المتوحش الذي يتصدى لبعض الآلات الدقيقة التركيب من مبتدعات العلم ومخترعات المدنية يحاول حل لغزها حتى إذا أعياه ذلك وباء بعد الجهد الجهيد بالخيبة اشتد حنقه على الآلة فرمى بها إلى الأرض غضبان أسفًا، وكذلك الإنسان يحسب أنه سيد الكون ولكن الأيام لا تبرح حتى تريه أن سيادته ضيقة المجال قصيرة الباع فيضيق من أجل ذلك صدره ويسوء خلقه ثم ينفث غيظه في صورة نظام فلسفي يسميه مذهب التشاؤم وإذا كان ذلك كذلك فلم لا نسمي الطفل الذي يبكيه أنه لا يستطيع تناول القمر باليد فيسلوفًا أيضًا؟ غير أن الطفل يمكن شفاؤه من داء الفلسفة برشفة من العسل أو قطعة من الحلوى.

على أن من أحسن التفكهة وأمتع التسلية أن ترى هؤلاء الفلاسفة - فلاسفة التشاؤم - يعلم كيف يهتدي إلى المضغة السائغة واللقمة الطيبة الكريمة فهو الذي يعرف من أين تؤكل الكتف وأنه بعد الغلو الفاحش في ذم الحياة والحض على إعدام الجنس الآدمي واستئصاله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت