عواطفها وحاجاتها، وإذا كانت الحرية تصلح لبعض الشعوب فإن الأنظمة الجافة الصلبة التي يسنها الفرد المطلق قد تكون أفضل منها وأجدى على شعوب أخرى، ونحن خلقاء بأن نقتنع بهذه النظرية، حتى لا نتصور أن الشرائع التي استطاعت مجهودات القرون الطوال وتطوراتها أن تلائم بينها وبين حاجات إحدى الأمم، يمكن أن تطبق على حاجات أمة أخرى، إذ ليس من السداد ولا من رجاحة العقل أن تكره السمكة على أن تتنفس في الهواء، بحجة أن التنفس الهوائي عام بين الحيوانات، فإن في الوسط الذي تجد فيه ذات الثدي الحياة، لا تجد فيه السمكة إلا الموت.
وإن التراخي الزمني الطويل الذي تتكون فيه شرائع الأمم وتتطور يجعلنا لا نشعر بهذه التطورات إلا عندما يتصدى لتقريرها مشرع عظيم، ونحن ننسب دائمًا إلى المشرع العظيم إنشاء الشرائع وخلق القوانين، على حين أنها في الحقيقة لم تكن إلا نتيجة فعل داخلي طويل، وليس للمشرعين من عمل حقيقي إلا أنهم يقررون للأمة عادات وآداب قررها شعور الأمة من قلبهم بعض التقرير، وينسخون ما أصبح منها عقيمًا أو سيئًا أو ضارًا ولكنا لا ننكر أن لهم تأثير في الأمم هامًا عظيمًا، ولكن تأثيرهم هذا مقصور على تقرير التغيرات لا ابتكارها، وليس لابتكارهم في الشرائع إلا أثر طفيف ضعيف. فهم حريون أن يقولوا قول المشرع صولون إني لم أعط الأثينيين خير ما يكون من الشرائع، ولكني أعطيتهم خير ما يستطيعون احتماله منها على أن هذه الشرائع الصالحة التي جاءهم بها صولون لم يستمدها من ذهنيته، بل من العادات والشعائر والآداب التي كانت إحساسهم ومعتقداتهم ورغباتهم قد شرعت من قبله في تقريرها.
كذلك كان شأن محمد، فقد عرف كيف يختار من بين شرائع العرب القديمة، شرائع كانت خيرًا منها وأجدى على الأمة، ثم عمد إلى شرائعه التي اختار فكفل لها من سلطانه الديني ضمانًا قويًا، على أننا لا نستطيع أن نقول أن شرائعه هدمت جميع العادات والشعائر التي كانت للعرب قبله، إلا إذا قلنا أن قوانين الاثني عشر لوحة قضت على جميع القوانين القديمة التي كانت عند الرومان، وإذا كان قد عرض للنبي أن يقضي على شيء من العادات القديمة، كوأد البنات مثلًا، فقد جاء تحريمه إياها تعبيرًا عن رغائب وعواطف كانت قد بدأت تنتشر بينهم وتسود، ولهذا لم يلبث تحريمه لها أن وقع منهم موقع الاحترام