وأحس كأن قلبه يشير إلى بالتحية، فإن اليد تعين القلب، إذا لم يتكلم اللسان، وعزت الألفاظ والعبارة.
فلما بلغت الرابية التي تشرف على ذؤابة بيته، ألقيت بندقيتي فوق صخرة هنالك غيراء، ووقفت أمسح العرق عن جبيني المبلل الذابل، ثم أرسلت الطرف في ذلك الموضع المنبسط الفسيح، فاندهشت إذا لم ألمح بين أشجار البستان وسرحاته قباءه إلا فحم الأسود، وكنت أعرف أنها الساعة المقدسة عنده، إذ يجلس وحيدًا منفردًا في ظلال المغيب يقرأ في كتاب صلواته، وازداد دهشي إذ لم أبصر كعادتي ذوائب دخان ناره تصعد من قمة داره وما أخذ عيني من منزله إلا نافذة دون ضياء الشمس مغلقة، وطيف حزن عميق، وظل كآبة واجمة، فمرت فوق صفحة قلبي رعدة مؤلمة، كما ترتعد صفحة الجدول المتدفق الفضفاض ولكني لم أشأ أن أدع سبيلًا إلى رعبي، بل انطلقت في طريقي، موسع الخطي مسرعًا.
وراحت عيني تبحث عمن تسأله وتستفسر، فلم تر في تلك الحقول المقفرة الصامتة أحدًا، لا إلا نعام ولا راعيها، ولم يقع في مسمعي عن كثب إلا صيحة الصراصير، وكنت من قبل أشرف على ضوضاء عظيمة وأصوات جهيرة عالية. . . وهبطت فطرقت الباب. . ولكن لم أسمع جوابًا. . حتى كلب الحارس لم يأت على وقع أقدامي ودقاتي علويًا كما كان يفعل نابحًا، فضغطت على القفل بيد قوية غليظة مسرعة، ودخلت الفناء فإذا الدار ساكنة مقفرة،. . كلا، واأسفاه، بل أبصرت عند نهاية السلم المفضية من الفناء إلى صميم الدار، شبحًا أسود جالسًا هناك كما يجلس السائل المسكين عند عتبة المعبد، لا يعير حركة، ولا يرفع طرفًا، قد دفن جبينه بين ركبتيه، وأخفى وجهه في وقاء ثوبه لا يخرج أنة لوا عولة ولا رنينًا، بل مشتملًا في ثياب سوداء متجهمة، وهنا قام في نفسي جلال الموت عند رؤيتي هذه الشارة الصامتة الخرساء، فدانيته وإذا بي أرى خادمة صديقي الشيخ تبكي مستعبرة قلت أحقًا ما تقولين يا مارتا، فنهضت على صوتي تمسح عينيها بأطرف أناملها، ثم أجابت نعم، هو الحق يا سيدي، هلا صعدت إليه فأنت مستطيع الساعة أن تراه، وأنا لدافنوه غدا عند مطلع الفجر، إن روحه الحزينة ستروح إلى ربها في هدوء وبهجة إذا أنت ودعتها الآن بآخر ضراعاتك لها وابتهالاتك، ولشد ما تكلم عنك في ساعة احتضاره، وكثر ما ذكرك، وجعل يقول لي، أي مارتا، إذا كان الله أراد أن يتوفاني إليه إذن فانبئيه عني أن