الحياة إلا الجزء التفكيري في حياة المتحضرين، إذ كان المتحضر يعيش بروحه أكثر من معدته. وكان المتبربر رجلًا لا يضيره أن يغالب الحيوانات كلها على رزقها، وأن يفوتها في صلابة التركيب، ووحشية البدن، ولا يفوته أن يدخل في صف الفصيلة القوية الضخمة منها، وما كانت الأمة التي لا آداب لها إلا خليطًا من الأنعام يعيش في غفلة وذهول، ويمشي إلى العدم والانقراض.
ومن ثم فهل يكون الاقتراح الذي جاء أخيرًا في شأن الآداب وأنصاف أهلها دليل حياة قوية تختلج في جسم هذا الوسط الخامد النائم. الذي جعل من الكتاب والآداب وكل ما يتعلق بأسباب التفكير شارة خجل ومعنى تافهًا ضئيلًا. . أترانا واجدين بعد هذا الركود الطويل والجمود القاتل أن العقل انتصر على الحماقات. وأن روح التطور والرقي غالبت قوة الانحطاط الذي ركمته فوقنا الأجيال المستطيلة المتلاحقة وأيدته العادات الحمقاء الفاسدة.
نحن قد قتلنا النبوغ وقضينا على فضيلة التفوق. . تلك هي خلاصة السلسلة الطويلة التي تلحقنا بالماضي وتربطنا به. . . حلقة متراخية من الآباء والأجداد. متلاشية فإنه ليس لها من الشأن إلا أن نذكره نحن ثم نصمت. . . وكذلك نؤرخ من أعمارنا طائفة من القرون مرت خرساء صامتة.
والآن. . . هل نعيش، وهل لنا سمات الأحياء ودلائل الوجود، وهل تجيش فينا حرارة الحياة وقوتها وأطماعها وكبرياؤها. . .
لقد تعاقب علينا خمسون عامًا ونحن نعمل أعمال المتحضرين، ونطبع أنفسنا على غرارهم، لنا صحافة وأدب ومدرسة ومعهد، ونشأ فينا أديب، وراح منا أديب، وقام كاتب وتولى كاتب، ولكن أين نحن من حياة النهوض والسمو والقوة، بل لقد قتلنا النبوغ، وطبعتنا الحياة المتقهقرة بغرائز المتقهقرين الكامنة في أعصابنا، فقد شئنا إلا أن يكون لنا مظهر الجماعات العاملة المتمدنة، ولم نكن ندري بأننا نستر لؤم الطبيعة المتكسبة البلهاء وراء أنظمة وطقوس كاذبة. . . أردية من الزور والتمويه والباطل نسميها آدابًا، وما كنا لنخجل من أن نجعل من الأديب والكاتب ما يجعل الزنج من الكهنة والسحرة والعزامين، كنا ولا نزال نتطلب رقيًا أدبيًا ثم لا نفتأ نقتل في الأدباء كل فضيلة طيبة، فنرسلهم شردًا ونطاردهم ونعسفهم، ونريدهم على اللؤم، وكذلك أنشأنا من المفكرين والأدباء طائفة من