ذلك اليوم يعمل على إدهاش العقل الغربي وتحييره، ولقد كان الغربيون في السنين الأخيرة يذهبون إلى أن الدين الإسلامي قد أسند في حدود الشيخوخة فلا يرتقب له تقدم جديد، ولكن لم يلبث هؤلاء الذين أغمضوا أعينهم عن هذا الدين من أهل الغرب أن انتبهوا فجأة إلى حقائق مدهشة من أمره فقد دلت الشواهد على أن الدين الإسلامي يتقدم ويخطو خطى واسعة في غرب إفريقية، وهو يزاحم المسيحية ويطاردها في تلك البلاد، وأن المسلمين هناك قد أخذوا يدخلون على البلاد إصلاحًا اجتماعيًا جديدًا بعد أن عجز رسل المسيحية ومبشروها عن أن يضعوا شيئًا من الإصلاح، وأن جزءًا كبيرًا من بلاد الصين قد دان بالإسلام، وأن هناك قري. وبلدانًا وأقاليم قد اكتظت بالمسلمين من أهل الصين يعيشون جنبًا إلى جنب مع عبدة بوذا وشيعة كونفوشيوس.
على أن الذين يعرفونه رسيسًا من تاريخ العرب لن يجدوا شيئًا من الغربة في دخول الإسلام بلاد الصين فقد كانت تجارة الصين في أيدي العرب يجيئون بها إلى الشام قبل أن يقوم دين الإسلام بسنين، وقد اتسعت بينهما أسباب التجارة في القرن السادس الميلادي وكانت تأتي عن طريق سرنديب - جزيرة سيلان - ولم يكد يدخل القرن السابع حتى نمت التجارة بين الصين والعرب وفارس، وكانت مدينة سيراف الواقعة على الخليج الفارسي هي محط المتاجر الصينية، إذ كان تجار الصين لا يتعدون هذا الثغر إلى داخلية البلاد، ومن ثم كان تجار العرب من مسقط والشام يلتقون بهم هناك ويحملون بضائعهم إلى أنحاء الجزيرة وبلدانها، وكان من بين الذي جاؤوا الصين في أوائل عهد أسرة تانج المالكة، أي في ذلك العهد الذي كان يدعو فيه محمد العرب بمكة إلى الإسلام، طائفة من أهل المدينة.
وإليك ما ذكرت التواريخ الصينية في صدد ذلك - إن مملكة المدينة تقع قريبة من الهند وفي تلك المملكة قام دين هؤلاء الغرباء وهو دين مخالف جد المخالفة لدين فو - أي بوذا - فهم لا يأكلون لحم الخنزير ولا يشربون الخمر ويعدون قذرًا غير مبارك كل لحم لم يذبحوه هم بأيديهم، ولهم اليوم معبد في كانتون يسمى معبد الذكرى المقدسة وقد ابتنوه في عهد أسرة تانج وكان لهم بجانب المعبد مأذنة شاهقة تبلغ في ارتفاعها مائة وستين قدمًا، وقد اعتاد هؤلاء لغرباء أن يذهبوا كل يوم إلى المعبد فيؤدوا فيه فرائض دينهم، ولما استجازوا الإمبراطور المقام بكانتون فأجازهم، شادوا بيوتًا طيبة ومنازل شاهقة على طراز