فهرس الكتاب

الصفحة 1700 من 3596

العريض الثراء في قصره الفخيم، محوطًا بكل وسائل الترف والنعمة - لا يزال دائمًا معرضًا للمؤثرات الخطيرة التي تنقص من حيويته ومقدار قوته ونشاطه، فهو يتنفس هواء مشبعًا بالجراثيم، ويأكل طعامًا فاسدًا ملوثًا مغشوشًا ويحس أنه أبدًا هدف للاضطرابات العصبية المختلفة، حتى لا تكاد حاله تفترق عن حال ساكن المستنقعات ومغاشي الحمَّى، ومن ثم كانت درجة الوفيات في المدينة الكبيرة تزيد بمقدار الربع عن باقي سكان المملكة وهي ضعف ما هي عليه في الريف والبلاد الخلوية، وكان ينبغي أن تكون أقل منها، لأن درجة الوفيات في المدينة الكبيرة من الشباب والفتيان ومتوسطي الأعمار أقل منها في الأطفال والشيوخ، هذا وأنت تجد أطفال المدن الكبرى يترعرعون وينمون ويخرجون من أكمامهم حتى الربيع الخامس عشر وتظهر إذ ذاك عليهم علائم النشاط والفتوة والمستقبل. الزاهي المجيد. ولكنك لا تلبث أن ترى أن ذلك النماء قد وقف وأن ذلك الذهن المتوقد السريع البديهة والفطنة قد بدأ يفقد توقده وسرعة بديهته، ويعود متراخيًا باردًا بليدًا وإذا بك ترى الصبي الذي كان بالأمس مثال النشاط في المدرسة قد أصبح أحمق مفلول القريحة غبي الذهن متكاسلًا.

ونحن نعلم أن الولع بسكنى المدائن والعواصم قد اشتد في هذه السنين بالناس وأنه قد أصبح ضربًا من المرض، حتى أصبحت المدن اليوم غاصة بالسكان مختنقة بالوافدين عليها من القرى والبلاد، ومن ثم أصبح جزء كبير من سكان المملكة هدفًا لهذا التأثير الخطير الذي يسوقه الولع بالمدن، ولم تكن الحال كذلك منذ خمسين عامًا، ومن هنا جعل عدد الضحايا يزداد في كل سنة زيادة جلية فاحشة مخيفة مدهشة، واطرد معها الزيادة المستمرة في عدد المرضى المصابين بالأمراض العقلية، كالمجرمين والمعتوهين والمجانين وسكان مستشفيات المجاذيب.

هذا ولا يزال هناك سبب ثالث أعم من السبب الذي قدمنا، وهو سبب وإن كان غير كاف وحده لإحداث مرض الانحطاط، إلا أنه سبب كاف لأن يبعث على تفشي الأمراض العصبية الخطيرة كالهيستيريا والنيروستانيا وأضرابهما، وهذا السبب الثالث هو التعب الذي يستشعره أهل الجيل الحاضر من قسوة الحياة وتكاثر مطالبها ومشاغلها، والعالم المتحضر يشكو من هذا التعب منذ نصف القرن الأخير، فقد كثرت المخترعات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت