المبتسم طيبة الجناب. . . . .
في الكهف 25 سبتمبر سنة 1793
وكنت إذا عدت أدراجي عند المغيب منحدرًا من مقانصي المتجافية النائية، كليل القدمين، مجروح الأصابع من أثر الثلوج، محتقبًا الظبي الأرن، أو الشاة الجبلية، وأنا مشرف من الرابية في أبعد حدود البصر على البحيرة الزرقاء المتصاغرة، كالقطرة المرتجفة المتحيرة في راحة الطفل الغرير، والعشب الأخضر المزهر يحف بساحلها الصلد، والسنديانات من حولها مائلة الأعناق ذابلتها، وألمح سطع الموقدة المشبوبة متوهجًا من ناحية الكهف البعيد، وإذ ذاك يطير لبي في عالم التفكير ومسارح الخاطر، أسير أقول لنفسي. . . . . هناك عند هذه الناحية المستنيرة التي لا تبلغها عين الفهد، هناك تقيم القطعة الطاهرة مني، هناك الجزء الآخر من روحي ومهجتي. . .، هناك العين المشرقة تتشوف مقدمي، والأذن المنصتة تتسمع مقتبلي، والذاكرة النقية التي تحبني، هناك الصديق الذي يخفق فؤاده لموقع قدمي، والمخلوق الذي أرسلتني السماء لحمايته ورعيه، وهناك الإنسان الذي أرى فيه كل شيء في الحياة، ويراني عنده كل شيء في الأرض، كل منا عند صاحبه الوطن والصحابة والأحباب والأب والأم والأخ والأخت، هو الذي يعد خطواتي بخفقات فؤاده، ويطالعني وأنا أنحدر إليه فكأنما اليوم المستطيل الذي قضى بعيدًا عني كان برهة من الزمن، وطرفة من العين، وأنه ليقبل علي إذ ذاك متشبثًا بنحري متوثبًا، باسطًا ذراعيه إلى محاضنتي، عاديًا كالرشأ من مرح، طافرًا من بهجة، يجري أمامي إلى الكوخ وأنا في أثره. . . .
فإذا فرغت من تفكيري، أسرعت الخطى في طريقي الثلجي الأشهب، وأنا أتبع ببصري الممر الذي يفضي إليه، نافذًا من بين ربي الثلج أجباله، منزلجًا مع المنحدر هاويًا، وإذ ذاك أجد لورنس عند سفح الجبل مرتقبًا رؤيتي مستطلعًا، وأنه ليأخذ ذراعي الضعيف في ذراعه، وأروح أقص عليه حديث يومي وخبره، ويتلو عليّ هو وقائع نهاره ونبأه، ونعود أدراجنا يحدثني كيف أن يماماتا نقفت البيض تحت أجنحتها وكم أعطت العنزة من لبانها، وكم من السمكات اصطادت حبائلها، ثم يأخذني فيريني ما جمع من أوراق الطحلبات وأغصانها، وما ركم من غثاء الأشجار ولحائها، يفرش به أرض الكهف قبل وفدة الشتاء وقرسة الزمهرير، وما اقتطف من أبّ الغابة وفاكهتها وما شاك أصابعه الدامية من إبرها