في مقابر العامة - وإذا كان الناس لا يفتأون يشبهون الشعراء والكتاب بالكواكب، فنحن نطرد معهم في تشبيههم فنقول أنهم في أدوارهم الأولى لا يظلون في سماء الشعر كواكبًا ثابتة بل إنهم ليختفون حينًا وحينًا يظهرون، شأن الكواكب والنجوم ويعد عليهم ما يعد عليها من الكسوف والخسوف والأبدار والمحاق، ولا يزال الخلود بين هذا معلقًا غير محقق. وكذلك نقول عن الشاعر جوت فقد مضى الآن ثمانون عامًا وتزيد على العهد الذي كان ينادي فيه ملك الأدب الألماني وسيده، فهل تراه كذلك إلى اليوم بعد أن أخرجت ألمانيا كثيرًا من الشعراء، وأخرجت جمعًا عظيمًا من الكتاب والفلاسفة، وهل يظل كذلك بعد أن طلع في الغرب غيره من الشعراء الجبابرة وبعد أن تغير العصر وتغيرت أمراضه وعلله. إن هذه المسائل تستحيل إلى سؤالين وهما، ماذا يرى الألمان أنفسهم في جوتهم بعد أن انصرم ثمانون عامًا وأربعة. وماذا يرى العالم فيه الآن، أما عن الأول فإن جوت عانى بعد وفاته بسنتين شيئًا من النقض والطعن والإنتقاص، فقد انطلق الشاعر هايني العظيم يعيبه ويتزري عليه ويتناوله بالنقد ولكن هايني عاد فأبدى لنا الباعث الذي ابتعته على ما كان منه إذ قال أما البواعث التي بعثت على هذه المطاعن التي قذف الناس جوت بها فإني أعرف على الأقل سرها من ناحيتي. . . . . وقد كان الحسد! ولكنه لم يلبث الناس أن نهضوا إلى إعلاء شأن جوت والتنويه باسمه، وانطلق أهل ألمانيا يمجدونه ويكبرون ذكره، لأن نهضة الأمة الألمانية منذ عام 1870 حملت معها اسم شاعرها الأكبر إلى مكانة أسمى من سابقة مكانته، وصار الكتاب يمدحونه وينوهون به ويعدونه من بين شعراء الإنسانية والأبد، أما أهل الغرب فلا يزالون يحبونه ولا يزال عند ذاكرتهم، يطالع إلى اليوم كأنه كتاب قائم على الزمن، جديد لا تضيع جدته، ولا يذهب رواؤه (انتظروا الباقي من تاريخه وحسنات أدبه في الأعداد القادمة) .