وأنا أجيب هؤلاء أن صناعة الطب لا تظفر بالمكانة العالية، بل إن لها مكانة مذمومة ممقوتة، وأنا لا أعرف رجلًا واحدًا أوتى نصيبًا من العقل والخبرة لا يشعر بأن متعبة المرض اليوم تسلمك إلى أيدي صناعة أنت في أعماق نفسك تشك فيها كل الشك، لأنها تستعمل أشد أنواع القوة والفظاعة سعيًا وراء المعرفة والعلم والتحقيق، وتبرر ذلك بحجج واهية كما قد تبرر أنت إحراق لندن بأسرها لاختبار نوع جديد من المطافئ، ثم لا تكتفي بذلك بل إنها لتزعج الناس ثم تواسيهم وتهدئ روعهم بأكاذيب من السخافة والحمق.
هذه هي حال صناعة الطب اليوم، وقد نستحقها وقد لا نستحقها، ولكن هذا هو مكانها وحسب، والأطباء الذين لم يعرفوا ذلك بعد، في غفلة من أمرهم. أما عن شرف الأطباء وضمائرهم فيهم قد أصابوا منهما ما أصاب بقية الناس، لا زيادة ولا نقصان، وهل تظن أحدًا من الناس يستطيع أن يدعي الإخلاص والبعد عن الغرض في أمر له فيه الفائدة المادية الكبرى وإنه لفوق احتمال الطبائع البشرية أن تقدم إلى طبيبًا أدفع إليه ثمن فحصه على شريطة أنه إذا أخطأ موضع الداء أو غلط في الدواء لا يمكن أن يمسك إليه شيء، ومن الخطأ العلمي أن تعتقد أو تذهب إلى أن الأطباء لا يعمدون إلى عمل عمليات جراحية لا لزوم لها ولا حاجة، ويختلقون أمراضًا لا توجد بالمريض، ويمدون في عمر المرض ما شاءوا، ثم لا تنسى هذه الحقيقة النفسية الغريبة، وهي أن مرضًا خطيرًا أو موتًا يعلن عن الطبيب كما يعلن الشنق عن المحامي الذي كان يدافع عن المشنوق. تصور أن ملكًا أو فردًا من الأسرة المالكة تألم يومًا من حنجرته أو من معدته، فإذا وصف الطبيب له دواء بسيطًا مثل أقراص من النعناع أو مكمدات باردة، فلن ترى أحدًا يحفل به، وأن يذكر الناس كلمة عنه، ولكنه إذا فتح له ثغرة في حنجرته أو قتله، أو استأصل عضوًا داخليًا من أعضائه، وجعل الأمة بأسرها متلهفة ليالي وأيامًا، هذا والمريض يعاني الأمرين، بين الحياة والموت، فقد ضمن السعادة إلى الأبد، فإن كل غني ينسى أن يستدعيه إذا ظهرت أعراض المرض نفسه في أهل بيته، يعد في نظر الناس أنه لم يؤد الواجب لمريضه.
والعجيب بعد هذا أن يترك على الأرض ملك أو أمير حيًا إلى الآن.