المعبود الأول الذي اتخذه الإنسان من بين أشياء هذا الوجود؟
وكأني لحظت أنه أخذ بهذا السؤال على غرة كأنه لم يخطر له ببال من قبل. فتقلقل قليلًا كأنه يريد أن يتمكن في مجلسه ولم يطل به ذلك حتى دخل في مقدمة مستفيضة أغنته عن التزام الصمت طويلًا للتفكير وأعانته على تصوير الحكم بما له من سرعة الخاطر وحدة الذهن. ولا أذكر شيئًا من هذه المقدمة وإنما أذكر أنه انتهى بها إلى القول إن المعبود الأول للإنسان الأول كان يقتضي أن يكون في ثنايا الغيوم المتلبدة أو هي نفسها.
أما أنا فلم أكن من رأيه وكأني نظرت إلى الإنسان نظرًا أعرق في الحيوانية. فاعتبرت الإنسان الأول لاصقًا بأرضه يتخبط فيما أمامه متخوفًا من كل شيءٍ إذ كان يجهل كل شيءٍ فاتخذ معبوده الأول من أشيائها ولم يرتفع ببصره إلى ما فوق إلا بعد ذلك بكثير. واعتبرت حينئذٍ العبادة الفتشية أول عبادات الإنسان وجعلتها في الغابات الكثيفة ذات الشأن في الميثولوجية القديمة وفي الاشجار الكبيرة المفردة القائمة في العراء يستظل بها. للمذكرات بقية
أمالي أدب
وهنا يحس أن نأتي على بلاغات العرب في الليل وظلمته والكواكب والنجوم وما يتصل بهذا المعنى، فمن أعجب ما وصفت به ظلمة الليل قول عبد العزيز بن خلوف أحد شعراء إفريقية:
واسود لا تبدو به النار حالك ... وبيداء لا يجتازها الريح مطلق
فإن قوله - لا بدو به النار - أي لا يظهر ضوءها في سواده مبالغة فائقة مع اختصار اللفظ وجزالة المعنى ولا ينقص من قيمته أنه مأخوذ من قول محمد بن إبراهيم القيروان - بني القيروان عقبة بن عامر الصحابي رضي الله عنه ـ
تأملوا ما دهاني تبصروا قصصًا ... ظلامها ليس يمسي فيه بالسراج
فكلاهما أجاد وأحسن ابن خلوف كل الإحسان في تعميم قصور الضوء بذكر النار التي هي سبب كل ضوء ولم يخصه بالسراج حتى يقطع الوهم في ضعف نور السراج وحده عن الإضاءة في هذه الظلمة.