منصرفًا فقلت يا هذا والله لقد فضحتني. ولسفك دمي علي أهون مما فعلت فخذ ما دفعته لك فإني غني عنه فضحك وقال أردت أن تكذبني في مقالي هذا. والله لا أخذته ولا آخذ لمعروف ثمنًا أبدًا ومضى لسبيله فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن يجيئني به ما شاء فما عرفت له خبرًا وكأن الأرض ابتلعته.
كيف كانوا يكرمون العلماء ويكافئونهم
حدث النضر بن شميل العالم اللغوي المشهور قال - كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت ذات ليلةٍ وعلي ثوب مرقوع فقال يا نضر ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان قلت يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف وحسر مرو شديد فأتبرد بهذه الخلقان قال لا ولكنك قشف ثم امتد بنا نفس الحديث فأجرى هو ذكر النساء فقال حدثنا هيثم عن ابن عباس قال قال رسول الله إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز - فأورده بفتح السين - قال النضر فقلت صدق يا أمير المؤمنين هيثم حدثنا عوف ابن أبي جميلة عن الحسن عن علي قال - قال رسول الله: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز - قال. وكان المأمون متكئًا فاستوى جالسًا وقال يا نضر كيف قلت سداده قلت لأن ههنا لحن قال أو تلحنني؟ قلت إنما لحن هيثم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه قال فما الفرق بينهما قلت السداد بالفتح القصد في الدين والسبيل وبالسر البلغة وكل ما سددت به شيئًا فهو سداد. قال أو تعرف العرب ذلك قال نعم هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال المأمون قبح الله من لا أدب له وأطرق مليًا ثم قال أنشدني أخلب بيت قالته العرب قلت حمزة بن بيض يقول في الحكم بن مروان:
تقول لي والعيون هاجعةٌ ... أقم علينا يومًا فلم أقم
أي الوجوه انتجعت قلت لها ... وأي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل صاحبًا سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلًا ... فهات أدخل أو وفني سلمي
فقال أحسن ما شاء. أنشدني أنصف بيت قالته العرب.