فهرس الكتاب

الصفحة 1940 من 3596

هذا الغرور وخسائره، لأن الغرور كالشراب يعطيك طرفًا من حلاوة النشوة. ثم هو يثأر بعد ذلك لنفسه منك فيأخذ من عرضك ومالك وبدنك، ويأبى أخيرًا إلا أن تعترف له بأنك تحبه ولا تستطيع له سلوا - والغرور في نفسه فضيلة. ولكنها فضيلة تسكن في كوخ صغير على حدود الشر، وقد يطغى عليها مد الشر يومًا فيسحبها إلى ساحله، ويسكنها طابقًا عاليًا في أسمى منازله القائمة على ضفافه والحق أقول لكم أيها الناس أنا أشد الشياطين غرورًا وغروري يمتاز بأنه غرور فلسفي مبتكر قوي المنطق، ولكنه بعد غرور صخاب أجش الصوت، ولعله خلق معي في يوم راعد، لأنه كثيرًا ما يصطدم مع سحابة كبيرة من غرور رجل آخر، فيكون منه دوي شديد ثم ينجلي الصوت عن ماء منبثق كالمطر بعد الرعود، وهذا الماء الغزير هو دموع صاحبي الذي صادم غروري غروره فصرعه.

وأشد ما يكون غروري وأنا في صرعة الشراب وحميا الكأس إذا أصبح بأهل البيت، وأنا أقذف بالحذاء في ناحية وبالطربوش في ركن، والبنطلون في زاوية انظروا إلى أيها السفلة الجاهلون هذا أنا الأديب العظيم، أنا من سادة من حمل الريشة. . . . أنا نابليون القلم. أنا ابن شكسبير وجوت وينتشه. . أنا. . أنا الأديب العظيم!!. . . .

وهنا تثور نزعة الدعابة والتهكم بعمتي العجوز عند سماع كلمة أديب لأنها تظنني أريد بها التربية والتأدب والأخلاق الجميلة. وفي بعض الأحيان تخطئ سماعها، فتظنني أقصد أن أقول أدباتي فيضج الجميع بالضحك.

ولكنهم لا يلبثون أن يجدوا هذا الأديب العظيم غداة الغد ملقي طريحًا، نصفه فوق السرير، ونصفه الآخر مدلى تحته!!

وأما فؤادي أيها القراء فمختلف التربة، متنوع الأديم، منه أقليم قد تعثر فيه بمناجم الذهب والألماس، وأقاليم باردة متجمدة كبحر البلطيق، وفيه قطع متجاورات خصيبة الأرض يانعة الثمر، فارغة الأزاهر، ومنه جزء صخري، حجري، قد لا تعمل فيه المطارق، ولا تستلين منه الفؤوس، ولا تؤثر فيه المعاول، ولكنه قد يلين يومًا فتكون منه دموع سخية وعبرات متحدرة، ولعل الله لم يخلق هذا الجزء الصخري في فؤادي إلا ليكون مصداقًا لقوله جل شأنه وإن من الحجارة لما يشق فيخرج منه الماء.

ع. ح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت