ومن البديهي ألا يسأل أحد عن فعل هذا الحجر ولو كان بالقرب منك إنسان يمكنه أن يلفت نظرك ويحذرك من سقوط الحجر عليك.
ولما كانت قوة التقليد في الإنسان عظيمة كان تأثير الكائنات الحية في تربيته عظيمًا وكلما كان أقرب الشبه ببعضها كان تأثير هذا البعض فيه أشد وأعظم حيث يسهل عليه التقليد والتشبه. لهذا كان الفضل الأول في تربية الناس راجع إلى تأثير بعضهم في بعض ولقصور اللغات البشرية عن التعبير بدقة وإيثار السهولة والإيضاح على الحقيقة غالينا في تقدير فضل الإنسان على الإنسان وقصرنا لفظ التربية على ما يكتبه المرء من الناس وأغفلنا ذكر العناصر الأخرى وتناسينا فضلها. وهذا خطأ فاحش يؤسف له ولا يسع العلم أن يغض الطرف عنه كل قرين بالمقارن يقتدي مغالاة كبيرة في فضل الإنسانية على تربية الإنسان ونكرات لفضل العوامل الأخرى التي من بينها الوراثة.
من شابه أباه فما ظلم مثل يقرر الوراثة وأثرها الهائل في الإنسان ولكن من غير دقة ولا تحقيق كما هي الحال في المثل الأول. وعلى الرغم من تضارب المثلين وتناقضهما بعضهما لبعض لا نفتر عن التمثل بهما واستعمال الواحد تلو الثاني حسب الظروف والأحوال.
لا تتوقف أفعال المرء على الوراثة والتربية فقط بل تتوقف أيضًا على مزاجه والظروف المحيطة به، والبيئة العائش فيها وهو غير مسؤول عن كل هذه الأمور لأن البيئة والظروف خارجة عن إرادته ولأن الأمزجة نتيجة الوراثة والحوادث التي مرت بحياته وإذن فلا مسؤولية ولا إدانة.
بيد أني لو عثرت بقدم إنسان سهوًا أو خطأ لا ينظر إلي بالعين التي يرمقني بها فيما لو كنت متعمدًا فإنه في الحالة الأولى لا يحفظ لي في قلبه ضغينة ما حتى ولو أصابه أذى عظيم وفي الحالة الثانية مهما كان ألمه تافهًا يستاء مني ويعتبر أني مذنبًا ويعاملني معاملة المذنبين مع أن الحالتين سواء لأني في كلتيهما مقود بقوة خارجة عن طوق إرادتي.
إذا رآني قادمًا عليه وشاهد مني أني ذاهل عنه ولم يسحب قدمه من طريقي فهو المخطئ فإن لم يرني هو أيضًا فكلانا غير مخطئ ولكن مع هذا هناك أذى قد وقع.
وفي حالة تعمدي نظرته عن بعد وكنت إذ ذاك مدفوعًا برغبة خفية إلى المشي على قدمه