المعاذير التي تطمن باله وتريح ضميره.
وجدت الآداب ممتزجة بالدين امتزاج الماء بالعود فلا ترى دينًا خلوا من الحث على الفضيلة والنهي عن الرذيلة ولا تجد آدابًا قائمة بذاتها منفصلة عن الدين إلا في الندرة. ولقد اختلطت الآداب بالعقائد حتى تشاكلت وتعذر التمييز، ومن هنا نشأ القول بأن الدين هو أصل الآداب - ومن أمد غير بعيد كانت القوانين متصلة أيضًا بالدين فانفصلت عنه فهل تنفصل الآداب عن الدين أيضًا وهل امتزاج القوانين فيما مضى يسمح لنا بأن نقول أن الأديان أصل للشرائع والقوانين.
إن منشأ الدين الإجلال والإعظام وشعور القلب بالرهبة والخوف. ومنشأ الآداب كما سنبينه بعد هو الإجتماع وحب الذات وضرورة التوفيق بينهما، ولقد وجدت الآداب والدين معًا فامتزجت الآداب بالدين والإنسانية في أول عهدها لا تعرف توزيع الوظائف على الأعضاء وقسر العضو على وظيفة واحدة بل كان للعضو الواحد عدة وظائف فكان من شأن الدين أن يراقب الآداب ويسن القونين ويستخلص النظريات العلمية ولكن سارت الإنسانية بعد ذلك بأزمان بعيدة استقل القانون واختلاف الدين والآداب في الأصل والمنشأ يوضح لنا جليًا ما أشكل علينا في أول الأمر من وجود أناس متدينين وهم في الوقت نفسه قارورة خبث وبؤرة فساد.
وهناك رأي آخر يقول بأن الإنسان هو الذي أوجد الآداب وأنه هو الذي اخترع الخير والشر تسهيلًا للعلاقات الإجتماعية وتحديدًا لها فسمى ما يفيده خيرًا وما يضره شرًا وفي الواقع وننفس الأمر لا خير ثمت ولا شر.
حقًا لا خير ولا شر فإن الأمور كلها لسببه مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد وما هو خير عندنا قد يكون شرًا لغيرنا وما نعتبره أدبًا ربما اعتبره سوانا سفالةً ولكن لا تصدق بأن هذا محض اختراع من الإنسان.
يعتقد الإنسان وجود خير وشر ويحكم على بعض الأمور بأنها خير وعلى البعض الآخر بأنها شر ويجوز أن يكون مخطئًا في حكمه أو واهمًا في اعتقاده ولكنه وهم طبيعي منشأه حياة الإنسان الأولى وتداول النفع والضر عليه مما يحيط به وارتكازهما في جهازه العصبي.