بريتانيا تحت السروات الباسقات التي تحلق رؤوسها في الهواء كلهب خضراء متطولة في بهرة السموات. وا حزناه. يا صديقي مرلين إنني أحسدك على هذه الأشجار الناضرة، والنسيم البليل الذي يهز أغصانها وأفانينها، إذ لا شجرة ناضرة تنثني حول قبري أو وسادتي التي أضطجع فوقها في باريس، وإذ لا أسمع أبدًا غير دحرجة العجلات ومطارق السنديان، وخفقات المعازف والعيدان، قبر ولا سكون، وضريح ولا راحة، وموت ولا مزايا الموتى وحقوقهم - ومنذ زمن طويل جاؤوا فأخذوا القياس لإعداد أكفاني وصندوقي، وتدوين اسمي في دفتر الوفيات. ولكني أموت بكل بطء، حتى أصبحت عملية موتي مملة لي ولأصدقائي ولكن صبرًا يا صحابتي. كل شيء سينتهي، وستجدون يومًا الخميلة التي طالما لعبت أمامكم فيها عروسة مزاحي قد أقفلت أبوابها!.
وهنا بدأت ثورة الإيمان تهب في فؤاده، ولعل ذلك راجع إلى شدة وطأة المرض، لأن كل لذعة من لذعات الألم تغسل قطعة من الإلحاد عن قلبه، وكل عضة من عضات العذاب تأخذ بين أسنانها جزءًا من طبقات الشك، وكذلك استطاعت الآلام أن تهضم كل فؤاده، ثم خلق الله له فؤادًا غيره، ولكنه أراد إلا أن يكون قليل المقام في جثمانه، فلم يلبث أن أخذه إلى جواره.
قال هايني: - ماذا يفيدني من أن يتوج الشباب المفتونون بحبي، والعذارى المعجبات بي تمثالي الرخامى بأكاليل الغار، وتيجان الزهر، وأنا أرى يد الممرضة العجوز المهزولة تطرد الذباب عن وجهي وعيني، وماذا يغني عني أن تكون جميع ورود شيراز تعبق شذاها، وترسل أنفاسها وبخورها حولي. لا أشم بخورًا ولا عبقًا، غير رائحة المناشف الدافئة الموضوعة عن رأسي. أواه. . إن تهكم الله يحطمني: إن مؤلف الكون العظيم. أريستفانيس السماء قد أجمع نيته وحشد كل قوته على أن يفضح أريستفانيس الأرضي الصغير. إن أحسن مداعباتي وأبدع أمازيحي لم تكن إلا تجارب صغيرة لتعلم فن التنكيت، إذا هي قورنت بنكته ومداعباته، أنا دونه في صناعة المزاح وصغير بجانبه في فن السخرية!!.
فماذا يقول المؤمنون عن هذا المؤمن الجديد الذي يعترف بضعفه واستخذائه ويقر بإيمانه بوجود الله وقوته، ولكنه مع ذلك يأبى إلا أن يكون مزاحًا حتى مع خالقه، ولكن الله أعرف